لم يعد غياب وزير الخارجية والمغتربين يوسف رجي عن بعض الزيارات والمحطات الخارجية لرئيس الجمهورية جوزاف عون مجرد تفصيل. فتكليف عون وزير الدفاع ميشال منسّى تمثيله في بلغراد، خلال مؤتمر الذكرى الـ65 لتأسيس حركة عدم الانحياز، أعاد طرح موقع رجي في إدارة الملفات الخارجية. لم تكن مهمة منسّى عسكرية فقط. فقد بحث مع نظيره الصربي التعاون الدفاعي، لكنه مثّل عون أيضاً في مناسبة سياسية ودبلوماسية، والتقى الرئيس الصربي ألكسندر فوتشيتش ونقل إليه تحيات عون. كما بحث معه الوضع في الجنوب، والخيارات المطروحة بعد انتهاء مهمة "اليونيفيل"، والدعم الإنساني وإعادة الإعمار. وبالتالي، شملت المهمة ملفات تتصل مباشرة بالسياسة الخارجية إلى جانب الشق العسكري. وهنا يطرح السؤال نفسه، عندما يتعذر على رئيس الجمهورية المشاركة في مؤتمر دولي ذي طابع سياسي، ما الذي يحدد اختيار الشخصية التي تمثله، وأين يقع وزير الخارجية ضمن هذه المعادلة؟ لو كانت محطة بلغراد منفردة، لكان ممكناً تفسير اختيار منسّى بالشق العسكري الموجود في الملفات المطروحة. لكن هذه الواقعة تأتي بعد محطات عدة غاب فيها رجي عن تحركات عون الخارجية. آخر هذه المحطات كانت زيارة عون إلى أثينا، حيث تناولت لقاءاته العلاقات الثنائية، والدور اليوناني في الاتحاد الأوروبي والأمم المتحدة وواشنطن، ومسار التفاوض اللبناني، ومستقبل الدور الدولي في الجنوب. ومع ذلك، لم يكن وزير الخارجية ضمن الوفد. وكانت قد نفت مصادر دبلوماسية روايات تحدثت عن دعوة رجي إلى الزيارة ثم التراجع عنها تحت ضغط سياسي، مؤكدة أن الوفد حُدد منذ البداية من دون أي وزير. ويبدو ذلك مختلفاً عن الأشهر الأولى من العهد. فقد رافق رجي عون في محطات أساسية، بينها السعودية والقمة العربية في القاهرة والإمارات، وشارك معه في لقاءات دولية أخرى. وهذا يعني أن العلاقة لم تبدأ على أساس إبعاد وزير الخارجية عن التحركات الرئاسية، فيما تظهر في الفترة الأخيرة صيغة مختلفة في توزيع الأدوار. يصعب فصل هذا التغيير عن التباينات التي ظهرت بين رجي وبعبدا حول إدارة بعض الملفات. في كانون الثاني، أثير نقاش حول مواقف أدلى بها رجي بشأن اتفاق وقف إطلاق النار والاعتداءات الإسرائيلية، وما إذا كانت تعكس بدقة موقف الدولة والحكومة أو تحمل مساحة أكبر من موقف الوزير السياسي. ثم ظهر تباين آخر في الملف الإيراني، على خلفية طريقة إدارة مسألة اعتماد السفير الإيراني والإعلان عن بعض المواقف عبر وسائل التواصل قبل المرور بالقنوات الرسمية. لكن الإشكالية لا تقتصر على أداء رجي نفسه. فإذا كانت هناك ملاحظات على طريقة عمل الوزير أو على مواقف تصدر عنه، يصبح السؤال حول الآلية التي يمكن من خلالها توحيد السياسة الخارجية مع الحفاظ في الوقت نفسه على دور الوزارة وموقعها. فالمطلوب، في النهاية، ليس أن تكون الخارجية "وزارة الوزير"، ولا أن تكون مؤسسة منفصلة عن السياسة التي تقررها الدولة. وفي المقابل، يفترض أن يبقى لها دور أساسي في صياغة هذه السياسة وتنفيذها. ظهرت هذه الإشكالية بوضوح خلال زيارة عون إلى واشنطن. فقد غاب رجي عن واحدة من أهم زيارات الرئيس الخارجية، رغم أن الملفات المطروحة كانت سياسية ودبلوماسية، من العلاقة مع الإدارة الأميركية إلى المفاوضات مع إسرائيل ومستقبل الجنوب. وكان هذا الغياب من أسباب اعتراض رئيس حزب "القوات اللبنانية" سمير جعجع لاحقاً، إذ استغرب تغييب وزير الخارجية عن الزيارات والمفاوضات الأساسية، وقال، رداً على سؤال عن احتمال مسايرة عون لحزب الله، إن "الخوف دائماً من القوي". ويمكن بطبيعة الحال قراءة اعتراض جعجع في سياق دفاع "القوات" عن وزير محسوب عليها سياسياً. لكن محطة صربيا توسع النقاش، لأن المسألة لم تعد مرتبطة حصراً بمن يرافق رئيس الجمهورية في زياراته، بل أيضاً بمن يختاره لتمثيله عندما لا يشارك شخصياً. دستورياً، لا يلزم رئيس الجمهورية إشراك وزير الخارجية في كل تحرك خارجي. فالمادة 52 من الدستور تمنحه صلاحية التفاوض في عقد المعاهدات الدولية وإبرامها بالاتفاق مع رئيس الحكومة، ولا تنص على إلزامية حضور وزير الخارجية. كما أن من الطبيعي أن يتولى وزراء آخرون ملفات خارجية ترتبط مباشرة باختصاصاتهم. لكن وزارة الخارجية تبقى صاحبة الدور الأساسي في العمل الدبلوماسي. فهي تضم جهازاً دبلوماسياً وسفراء ومديريات مختصة، وتتمثل وظيفتها في المساهمة في إعداد المواقف ومتابعتها وتنفيذها بالتنسيق مع المؤسسات الدستورية الأخرى. لذلك، فإن تكرار إدارة ملفات سياسية خارجية عبر الرئاسة أو مستشارين أو وزراء يستدعي توضيحاً أكبر لطبيعة العلاقة مع رجي. ويزداد ذلك أهمية لأن لبنان يواجه في المرحلة المقبلة ملفات دبلوماسية أساسية، بينها المفاوضات مع إسرائيل، ومرحلة ما بعد "اليونيفيل"، والعلاقات مع سوريا، وإعادة الإعمار، والمس