انتصرت الرقمنة نهائياً في حقل العمل، في دول الشمال العالمي على الأقل لنكون أكثر دقة. يقضي معظم الموظفين أوقاتهم جالسين على مقاعد وأعينهم مثبته على الشاشة. لاحقاً، لكن بطريقة أكثر حسماً، أصبحت المواعدة ساحة أخرى تم رقمنتها بشكل شبه كامل. من الجنس لليلة واحدة حتى لقاء شريك الحياة، تعد تطبيقات المواعدة هي المكان الافتراضي الحصري لعملية العرض والطلب الغرامي، وذلك طبقاً لآليات الخوارزميات وقياس الجاذبية الحسابية. ما زال البعض يتغازلون في أماكن الدراسة أو العمل أو الأماكن العامة، لكن أصبح ذلك سلوكاً مستغرباً أكثر وأكثر، وأحياناً كثيرة مستهجناً. انتصار المنصات الرقمية للمواعدة، يتوازى مع عمليات فصل رقمي للأنشطة وتخصيص للمساحات يفترض أن يكون أكثر عملية وتوفيراً للوقت، لكن في الوقت نفسه تخلق التطبيقات المختلفة فضاءات منفصلة وكثيرة جداً، وينبغي التواجد فيها جميعاً في الوقت نفسه. ذلك التشتت للذات يقترن بانحسار للمكان العام، بمعناه المادي والرقمي أيضاً. في العامين الماضيين، تحولت ملفات المواعدة الرقمية إلى ساحة محتشدة بالرموز السياسية، وتختص الشعارات الفلسطينية بالنصيب الأوفر، العلم الفلسطيني بجوار الاسم أو إيقونة شريحة البطيخ في خانة التعريف الشخصي، وعبارات فلسطين حرة أسفل صور ملتقطة بزوايا مدروسة فيما يرتدي أصحابها الكوفية. ذلك التداخل بين إشهارات الحميمية الرقمية والالتزام السياسي يتجاوز سياسات التضامن العابرة، إلى تقرير الكيفية التي تصاغ بها الهوية الأخلاقية. الشعارات الفلسطينية على تطبيقات المواعدة ليست مجرد حلية هوياتية كما يذهب البعض، وإن كان أصحابها يدركون أنها ليست جزءاً من فعل سياسي منظم. هي أقرب ما تكون إلى كود ثقافي يراد منها إرسال إشارة محددة للشريك المحتمل، بواسطة إشهار الميول الأيديولوجية والمواقف السياسية والأخلاقية: معني بالشأن العام، ويساري، وتقدمي، ومعادٍ للاستعمار. تضاف الشعارات السياسية الخاصة بفلسطين أو غيرها، إلى قائمة المذاقات الشخصية مثل نوع الموسيقى المفضل، والحيوانات الأليفة، والمطابخ المفضلة، والرياضات وغيرها. صاحب ملف المواعدة يقدم دعما علنياً لقضية سياسية بلا شك (الحد الأدنى من معنى العلنية الذي تتيحه التطبيقات). تلعب شعارات فلسطين دوراً في إنتاج صورة الذات أمام المرآة الرقمية، حين ينظر المرء لملفه على التطبيق هو يواجه نفسه العلنية، وجهاً لوجه. الأهم هو تحول شعارات التضامن السياسي إلى عامل تصفية لقائمة المرشحين للمواعدة، وذلك باستبعاد الخصوم الأيديولوجيين والسطحيين واللامبالين لصالح تمرير الرفاق الايديولوجيين وحدهم. بين عمليتي تسليع العاطفة وتسييسها، ثمة تسليع للسياسة. وحاصل تلك العمليات يكشف عن العجز أكثر منه يشير إلى التضامن أو انتصار منطق السوق. والحال أن عدم القدرة على الفعل السياسي تدفع إلى محاولات يائسة لإنقاذ الأرواح، سواء بالصراخ في مظاهرة عامة أو الاستنجاد بقضية عادلة في تطبيق للمواعدة. وفي ذلك السياق المغلق، يثبت الشعار السياسي على الجدار الرقمي للذات كنيشان مأساوي لتأنيب الضمير أو التباهي النرجسي بالعجز. بهذا المعنى، تحل تطبيقات المواعدة محل المكان العام المخصص للمغازلة، المرقص والبار والنادي الرياضي، وبالقدر نفسه تملأ تلك التطبيقات خواء الحقل السياسي المفرغ من معناه، الميدان العام والحزب السياسي وغيرها. يمكن الحكم ببساطة على أن الظاهرة هي عرض لسياسة اللاسياسة، حيث يتحول البحث عن الحب أو اللذة إلى انتماء إلى جماعة أخلاقية متخيلة. لكن يظل هذا حكماً مختزلاً ومتعسفاً، فلطالما كانت السياسة، كل سياسة، واحدة من عمليات صياغة صورة الذات في مرآة الآخرين، وكذا إحدى صور الانتماء الرمزي لجماعات متخيلة حتى لو كانت حقيقية. بأكثر الطرق الشعرية وأكثرها مأساوية، تصبح فلسطين جزء من قصص حب وانفصال في أماكن بعيدة، ورحلات بحث عن مداواة للوحدة والاغتراب في عالم يتغير فيه معنى العام بسرعة يصعب ملاحقتها. لكن يبقى السؤال كيف يمكن لهذا أن يغير الواقع؟ أو على الأقل أن يوقف الإبادة المستمرة؟