يسأل الناس في لبنان إن كان ثمة حرباً جديدة وموسعة ستشهدها الأيام المقبلة. يترقب آخرون المشهد في إيران ومآلاته. البعض يعتقد أن اتفاقاً قريباً في إسلام أباد إن حصل قد ينهي بدفع أميركي الصراع الدائر في منطقة الشرق الأوسط منذ "طوفان الأقصى". غير أن ما يحصل هو أكبر من عنوان الحرب على إيران أو من تصعيد إسرائيلي هنا أو هناك. لكأننا في حرب عالمية ثالثة لا يصلح معها تقزيم أي تحليل أو واقعة. بلغ الطوفان العالم بأسره، ولمّا تُسمى الأمور بمسمياتها حتى هذه اللحظة. ما سيكتبه التاريخ لاحقاً سيكون أكثر وضوحاً في هذا الإطار، لكننا ما زلنا نترقب الوقائع ونسأل السؤال: وفق أي شكل جديد للعالم ستنتهي هذه الحرب العالمية؟ لماذا نحن في قلب الحرب العالمية الثالثة؟ لوسم حرب ما بالعالمية، ثمة أربع عناصر يمكن رصدها: أن تنخرط فيها معظم القوى الكبرى انخراطاً مباشراً، أن يمتدّ مسرحها إلى أكثر من قارة، أن تكون كلّية بمعنى تعبئة الاقتصادات والمجتمعات عدا عن الجيوش، وأن تُنتج نظاماً دولياً جديداً. يختلف الوضع راهناً، ومع ذلك ثمة مؤشرات على عالمية حقيقية لما يدور في العالم، بيد أنها من نوع مختلف عن عالمية الحربين السابقتين. يكمن المؤشر الأول في عدد النزاعات حول العالم. خمس وستون نزاعاً وفق برنامج بيانات النزاع في جامعة أوبسالا، وهو العدد الأكبر منذ العام 1945. للأمر دلالاته. طبيعة الصراعات نفسها أصبحت أكثر قابلية للانتشار، كما أن بعض النزاعات يمكن أن يتحول إلى مواجهات كبرى تتورط فيها قوى دولية، مثل احتمال اندلاع حرب حول تايوان، أو توسع الحرب في أوكرانيا، أو تصعيد في شبه الجزيرة الكورية، أو اتساع حرب الشرق الأوسط بعد أكثر. وضعٌ خطر بطبيعة الحال ويزداد خطورةً بلحاظ أن الأدوات التي كانت تضبط التنافس بين القوى الكبرى تتراجع. معاهدات الحد من التسلح تضعف، العقوبات الاقتصادية تتحول إلى وسيلة للصراع، الدول تعيد بناء جيوشها وتزيد إنفاقها العسكري، بل وتعود في بعض الدول إلى التجنيد الإلزامي. في الوقت نفسه، يتعمق الانقسام بين الولايات المتحدة وحلفائها من جهة، وروسيا والصين وشركائهما من جهة أخرى، ناهيك عن أن الولايات المتحدة نفسها لم تعد تتصرف دائماً كحارس للنظام الدولي الذي أسهمت في بنائه بعد الحرب العالمية الثانية. مواقف ترامب من العولمة والتحالفات التقليدية تكشف عن استعداد لمراجعة هذا النظام من الداخل، كذلك وزير خارجيته ماركو روبيو الذي قال في جلسة تثبيته إن النظام العالمي الذي نشأ بعد الحرب العالمية الثانية لم يعد فقط متقادماً، بل أصبح في بعض جوانبه أداة تُستخدم ضد الولايات المتحدة، وإن الدول الأخرى عادت إلى التصرف وفق مصالحها الوطنية بدلاً من الالتزام بقواعد النظام الذي قادته واشنطن. جاي دي فانس ذهب كذلك في الاتجاه نفسه في خطابه أمام مؤتمر ميونيخ للأمن عندما دعا إلى مساءلة الأساس القيمي للتحالف الغربي نفسه، محذراً من أن التحالفات لا يمكن أن تقوم على التزامات تاريخية إذا لم تعد الأطراف تتشارك القيم والمصالح ذاتها. يرتبط المؤشر الثاني بالاقتصاد الذي أضحى أحد أهم ميادين الصراع والقوة في الحروب. هذا ما يوضحه كل من هنري فاريل وأبراهام نيومان في دراستهما عام 2019 التي شرحا فيها مفهومهما عن "الاعتماد المتبادل المُسلَّح"، فالعالم الحديث قائم على شبكات اقتصادية ومالية مترابطة، لكن هذه الشبكات لا توزّع القوة بالتساوي. الدولة التي تسيطر على العُقد الأكثر أهمية فيها تستطيع أن تستخدم هذا الموقع للضغط على الآخرين. هي عقد تشمل أنظمة الدفع والتحويلات المالية، والمصارف، والموانئ، وسلاسل التوريد، والتكنولوجيا، والطاقة. فإذا كان اقتصاد دولة ما يعتمد على طريق أو مؤسسة أو مادة تسيطر عليها دولة أخرى، يمكن لهذه الأخيرة أن تحول هذا الاعتماد إلى أداة ضغط تمنع الوصول إلى السوق مثلاً، أو تفرض عقوبات، أو تقطع التمويل، أو تحظر تصدير التكنولوجيا والمواد الأساسية، ما يُحوّل الاعتماد المتبادل من وسيلة للتعاون إلى مصدر للقوة والإكراه. يُبرز إدوارد فيشمان هذه الفكرة أيضاً في كتابه "نقاط الاختناق: القوة الأميركية في عصر الحرب الاقتصادية". يوضح كيف أن القوة الاقتصادية الحديثة لا تقوم فقط على حجم الاقتصاد، بل أيضاً على القدرة على التحكم في النقاط التي لا تستطيع الشبكات العالمية الاستغناء عنها. لذلك أصبحت العقوبات والقيود على التكنولوجيا والتحكم في سلاسل التوريد ومنع تصدير المواد الاستراتيجية أدوات أساسية في السياسة الدولية. وتظهر أهمية ذلك بوضوح في الصراع حول المعادن النادرة والمغناطيسات والرقائق الإلكترونية لكونها مواد ضرورية لصناعات السيارات والإلكترونيات والذكاء الاصطناعي والتقنيات العسكرية، ومن يملك القدرة على التحكم في إنتاجها أو تصديرها يستطيع التأثير في صناعات دول أخرى، حتى من دون استخدام القو