تكرار حوادث التعذيب والوفاة، الاحتجاز خارج المهل القانونية ونشر صور الموقوفين قبل انتهاء التحقيقات أو صدور الأحكام، يكشف خللاً بنيوياً في منظومة العدالة. فالمشكلة لم تعد مجرد تجاوزات فردية، بل باتت مرتبطة بغياب الرقابة الفعلية، وضعف استقلال القضاء، واستمرار ثقافة الإفلات من العقاب. وتزداد خطورة هذه الوقائع حين تُقابل بالصمت أو التبرير أو تحميل المسؤولية لأفراد مجهولين، ثم إغلاق الملفات من دون تحقيق جدي. والحادثة التي أعادت تسليط الضوء على هذا الواقع هي وفاة "محمد غميرة"، الذي يعمل في الدفاع المدني وابن لشهيد بعد تعرضه للضرب في مخفر الشرطة، غير أن قضيته لم تكن الوحيدة، فقد تلاها بأيام خبر وفاة "لؤي ظروف" من جبلة في سجن النبك، وهي وفاة تحوّلت لدى بعض مؤيدي السلطة إلى مادة للشماتة بسبب انتمائه الطائفي واتهامه بأنه كان "شبيحاً" للنظام السابق، ومرّ الخبر من دون أي توضيح من السلطات. وقبل ذلك شهد عام 2025 ثلاث حالات وفاة تحت التعذيب وهي ميلاد الفرخ في سجن البالوني بحمص، ويوسف اللبّاد بعد اعتقاله من المسجد الأموي بدمشق، وعبد الرحمن جعجعول بعد أيام من اعتقاله في مخفر الكلاسة بحلب. وبحسب الشبكة السورية لحقوق الإنسان، تم توثيق 210 حالات اعتقال تعسفي في الربع الأول من عام 2026، وارتفع الرقم إلى 246 حالة في النصف الأول، بينهم 14 طفلًا و3 نساء. أكثر من نصف هذه الحالات تتحمل مسؤوليتها السلطة الحالية مباشرة، إذ سجّل التقرير 122 حالة على يد قوات الحكومة السورية، مقابل 46 حالة على يد القوات الإسرائيلية و42 حالة على يد قوات قسد قبل الإعلان عن حلّها مؤخراً. ومنذ يومين، نفّذ إعلاميون وقفة احتجاجية أمام قيادة الأمن الداخلي في حلب تحت شعار "الحقيقة والحرية"، طالبوا فيها بالكشف عن مصير الإعلاميين محمود الخطيب ومراد محلي، المختفيين قسرياً منذ أكثر من سبعة أشهر من دون أي بيان رسمي يوضح أسباب أو مكان احتجازهما. ورغم وضوح هذا الواقع، حاول البعض تبرير تكرار هذه الحوادث بالقول إن مرتكبيها من "بقايا النظام السابق". وكأن وجودهم يبرر استمرار التعذيب والاحتجاز غير المشروع أو يعفي السلطة الحالية من مسؤوليتها. هذا التبرير عذر أقبح من ذنب، لأنه يعني عملياً أن السلطة تعترف بوجود عناصر غير منضبطة داخل مؤسساتها، لكنها عاجزة عن ضبطهم أو محاسبتهم أو إخضاعهم للقانون. والأسوأ أن هذا التبرير يسقط بمجرد النظر إلى مناطق لا وجود فيها أصلاً لأي عنصر من النظام السابق، مثل إدلب، حيث تتكرر حوادث الاحتجاز غير المشروع كما حصل أكثر من مرة مع الناشط مازن عرجة. وهذا يؤكد أن المشكلة في غياب الرقابة، غياب المحاسبة، وغياب الضوابط داخل مراكز الاحتجاز. وفي مواجهة هذه الوقائع، طرح البعض فكرة إنشاء ديوان مظالم يرتبط برئاسة الجمهورية، بهدف تلقي الشكاوى ومراقبة أداء الإدارات الحكومية. غير أن هذا الطرح يتجاهل وجود القضاء الإداري المختص بالنظر في تعسف الإدارة وقراراتها، لكنه ليس الجهة المخولة بالتحقيق في جرائم التعذيب أو الوفاة داخل مراكز الاحتجاز أو الاعتداء على الحق العام. هذه الجرائم من اختصاص القضاء الجزائي العادي. وإن تحويل جرائم التعذيب والاحتجاز غير المشروع إلى ملف إداري أو إحالتها إلى هيئة جديدة لا يعالج أصل الخلل، بل يضيف طبقة بيروقراطية فوق منظومة قضائية تعاني أصلاً من الترهل والتدخل وضعف الاستقلال. المطلوب تحرير القضاء القائم وتمكينه من أداء دوره، وتحرير النيابة العامة وتمكينها من وضع يدها على الجرائم فور وقوعها، من دون انتظار إذن إداري أو توجيه أمني، وإخضاع مراكز الشرطة والأمن والسجون لرقابة قضائية دورية ومستقلة ومعلنة، وضمان وصول القضاة والنيابة إلى أماكن الاحتجاز من دون إشعار مسبق. والعمل قانونياً على تجريم الاحتجاز خارج المهل القانونية وفرض عقوبات مشددة على المسؤولين عنه، وتسجيل جميع عمليات التوقيف والاستجواب رسمياً، مع تحديد وقت ومكان كل إجراء، وتثبيت كاميرات مراقبة في مراكز الاحتجاز، مع حفظ التسجيلات ومنع حذفها أو العبث بها، وضمان حق الموقوف في التواصل مع أسرته ومحاميه منذ اللحظة الأولى، وإجراء فحص طبي مستقل عند التوقيف وبعد كل جلسة تحقيق، وتمكين المحامين من الوصول إلى موكليهم من دون أية عوائق، وإعلان نتائج التحقيقات في حالات الوفاة أو التعذيب. ولا ينبغي أن تقتصر المساءلة على الأشخاص الذين ارتكبوا التعذيب بأيديهم، بل يجب أن تشمل كل من أصدر أمراً، أو علم بالانتهاك وسكت عنه، أو عرقل التحقيق، أو أخفى الأدلة، أو سمح باستمرار الظروف التي أدت إلى وقوعه. ولا يجوز الانتقاص من حقوق الموقوف تحت أي ظرف، وفي مقدمها حقه في معرفة سبب توقيفه والتهمة المنسوبة إليه، والتواصل مع أسرته وتوكيل محامٍ منذ اللحظة الأولى، والمثول أمام قاضٍ خلال مدة محددة، وعدم التعرض للتعذيب أو الإكراه أو ا