يقول الخبر العاجل الذي تناقلته الوكالات بذهول، إن علماء مرصد "ناسا" الفلكي رصدوا، ولأول مرة في التاريخ البشري، أول إشارة راديو "متماسكة" وموجّهة على الإطلاق من كوكب فضائي يبعد عنا مسافة 12 سنة ضوئية فقط! لم يتأخر العلماء في فك شيفرة الإشارة؛ فقد كانت في الحقيقة غير مشفّرة أصلاً، ولا تحتوي على لغزٍ معقد، ما عدا لزوم مواءمتها مع الحامل الموجي الذي أوصلها إلى كوكب الأرض. وما هي إلا دقائق قليلة حتى وجد الفلكيون أنفسهم أمام رسالة واضحة ومباشرة تبدأ بعبارة صريحة: "إلى سكان الكوكب الأزرق". في تلك اللحظة التاريخية، ارتبكت مشاعر "كونسورتيوم" العلماء في المرصد؛ امتزج الحماس البدائي بالذهول، والسعادة بالريبة، والقلق بالإثارة... قفز كبيرهم إلى هاتف خاص، وشرع في نقل الخبر بقلق بالغ إلى البيت الأبيض، الذي بادر فورًا إلى تحرّي حقيقة الرسالة قبل أن يتناولها الرئيس مباشرة على صفحته من دون تمحيص، على جاري عادته. كان السؤال الأول الذي تردد في أروقة الإدارة ومجالس الأمن القومي طبعاً: هل هي رسالة سلام أم إعلان حرب؟ هل يريد أصحابها التواصل الحضاري معنا أم الاستيلاء على كوكبنا ونزع ملكيتنا منه؟ وهل يمتلكون تكنولوجيا عسكرية تسمح لهم باحتلال الأرض ودكّ مدنها؟ وهل يمكن أن تكون الرسالة فخاً ناعماً لتلافي التأهب؟ وهل علينا أن نعلن الحالة القصوى ونرفع جاهزية الترسانة النووية لمواجهة الغزاة؟ ثم جاء السؤال الأهم الذي حبس أنفاس الجميع: ولكن ماذا يقول المرسِلون وماذا يريدون؟ طبع كبير العلماء الرسالة المحوَّلة إلى نص مقروء على وجه السرعة، مسح عرق جبينه، وبدأ القراءة بصوت مرتبك: "يا سكّان الأرض.. ترددنا طويلاً وتأخرنا كثيراً قبل إرسال هذه الإشارة إليكم. ليس لضعفٍ في إمكانية أن نبعث إليكم ورقة بلغة تفهمونها، أو بتقنية بسيطة تلتقطونها، وإنما لاعتبارات أخرى، ليس أقلها اقتناعنا شبه التام بأنها ستقع منكم على عين عمياء وأذن صماء. مع ذلك، ها نحن نكتب إليكم عسى أن لا تذهب الطاقة التي استخدمناها، ولو كانت زهيدة للغاية، هباءً منثوراً. إننا نراقبكم. نعرفكم جيداً منذ إنجاز نزولكم التاريخي عن الشجرة من حوالي ستة ملايين سنة من سنواتكم الأرضية. وهو في الحقيقة وقت لا يساوي سوى ومضة صغيرة بالنسبة إلى أحد أزمنتنا المتعدّدة. ومع ذلك، فإن التقدّم الذي أحرزتموه منذ ذاك الوقت ليس بطيئاً فحسب، وإنما أيضاً مخيّبٌ للآمال على نحو يدعو للشفقة والضحك معاً. فالموارد المتوفرة بين أيديكم على كوكبكم الجميل، وحاجاتكم منها للحياة والتأقلم والتطور واستمرار البقاء لفترات طويلة، هي كافية وسهلة وغير معقّدٍ الحصول عليها، بما لا يقاس إطلاقاً مع مجرّات وأكوان أخرى. ومع ذلك، رأينا سنوات تطوركم تمضي بطيئة بطيئة، وغير ذات أهمية، على الرغم من تصوّراتكم الساذجة المخالفة لذلك، ونرجسيتكم التي جعلتكم تظنون أنكم مركز الكون. بل وفي مرّات لا تحصى، عاينا بذهول عودتكم بخطوات واسعة إلى الخلف! ونرصد دائماً كيف تهدرون بغباء شديد إمكانيات هائلة جادت بها طبيعة كوكبكم عليكم. فتؤثرون، أغلب الأحيان، سلوكاً آخر غريباً وشاذاً وغير مفهوم عما كان ينبغي عليكم تتبعه في سلسلة شيفرات جيناتكم، مُخالفين حتى قوانين الطفرات الأساسية التي سمحت بوجودكم أصلاً. ضيّعتم الدرب في متاهات الألوان والأجناس والأعراق والقبائل والأديان والمعتقدات والعقائد، وسائر التصنيفات المضحكة التي اخترعتموها طوال الطريق لفصل بعضكم عن البعض الآخر، وسرقة موارده وإبادته. وما كان يجدر بكم فعل ذلك. فطبيعة كوكبكم حفظت لكل واحد منكم، وحتى لكل جنسٍ آخر من الكائنات، مورد حياة واكتفاء. لكنّكم أبيتم إلا أن تعتدوا على جميع المخلوقات، كبيرها وصغيرها، شجرةً أو وحشاً أو ماشية وديعة أو طائراً أو سمكة أو حتى حشرة. أحرقتم الرئات الخضراء لكوكبكم، ولوثتم بحاره ومحيطاته بالبلاستيك والغازات والسموم، ثم جلستم تتساءلون بنفاق عن سبب تغير مناخ الكوكب! لقد أنعمت الطبيعة عليكم بـ "منطقة ذهبية" لا تتوفر إلا لواحد في المليار، حيث الماء السائل والغلاف المعتدل، وبدلاً من استغلال هذه المصادفة الكونية لبناء فردوس حقيقي، انحدرتم إلى كائنات تصطاد بعضها وغيرها من دون توقف، وترمي نفاياتها ومخلفاتها في وجه الطبيعة الحاضنة لنطفتها بلا أدنى مسؤولية، وبلا تفكير في مستقبل الكوكب. لا تكترثون سوى لمستقبل الأفراد القصير المحسوب بالسنوات، فيما كوكبكم الرائع، وطبيعته الغنية التي سمحت بنشوئكم، بات ينتظر فناءكم لإعطاء فرصة الحياة إلى أشكال وأنواع أخرى قد تكون أقل جشعاً وأكثر حكمة وبصيرة. الآن، ربما تسألون لماذا تأخرنا في هذا الاتصال؟ لماذا الآن؟ وهل نريد بكم شرًا؟ لكنكم، بعقولكم القاصرة، لا تدركون أن الشر هو اختراعكم الخاص المسجّل حصرياً باسمكم. تصوركم الساذج عن "الآخر" و"البرابرة" الذي ما برحتم تس