عاد ملف تعويضات نهاية الخدمة في الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي إلى الواجهة مع تأكيد رئيس مجلس إدارة الصندوق بشارة الأسمر "السعي إلى إعادة تكوين تعويضات مَن تركوا العمل بين 2019 و2024"، إلى جانب "العمل على زيادة التقديمات والانتقال من تعويض نهاية الخدمة إلى نظام التقاعد والحماية الاجتماعية بموجب القانون 319/2023. لكن الملفّ الذي لم تُحسَم تفاصيله بعد، يعجّ بالمصاعب التي تعرقل الحسم وإعطاء الحقوق. وبالتوازي، تأكيد عدم تكرار الأزمات التي ولّدت مشكلة انهيار قيمة التعويضات، فضلاً عن ضمان الاستدامة المالية لإعادة تكوين التعويضات والانتقال إلى نظام التقاعد. وعليه، فإنّ الحديث عن إعادة الاعتبار للتعويضات التي دفعت وفق أسعار صرف متدنية، لا ينفصل عن الحل الشامل لملف تعويضات نهاية الخدمة، وهذا ما يصعِّب إعادة الاعتبار لمن فقدوا قيمة تعويضاتهم ويزيد قلق مَن سيحصلون على تعويضاتهم مستقبلاً. يبحث الضمان وأرباب العمل ولجنة المال والموازنة ولجنة الصحة والعمل النيابيّتين، السبل الأنسب لحلّ مشكلة التعويضات. وتحت لواء إعادة تكوينها، يجري إيجاد آلية تعيد إلى أصحاب التعويضات بعضاً من قيمتها المفقودة. لكن هذا المسار يحتاج إلى تمويل، والذي بدوره يحتاج إلى تحديد مَن هم الفئة المستهدفة وكيف ستُدفَع الفروقات، وما هي نسبتها؟. ويعني إعادة التكوين، تمويل إعطاء الحقوق للعمّال الذين قبضوا تعويضاتهم وفق أسعار صرف متدنية. على أنّ ما تمّ التوصّل إليه بين اللجان النيابية والضمان وأصحاب العمل، ينطلق من تصحيح قيمة تعويضات العمّال الذين تقاضوا تعويضاتهم خلال الفترة بين 17/10/2019 حتى 1/4/2024. فيما التصحيح لن يزيد عن استعادة 50 بالمئة من قيمة التعويضات قبل انهيار سعر صرف الليرة. على أن يأتي التمويل مناصفة بين الدولة وأصحاب العمل. علماً أنّ كلفة تمويل تصحيح التعويضات عن الفترة المذكورة، تقدّر بين 750 مليون دولار ومليار دولار. على أنّ الكلفة تزداد كلّما أضيفت شريحة جديدة إلى المستفيدين من التصحيح. ويُعتَبَر التمويل نقاشاً جوهرياً أيضاً، لأنّه سيحدّد الكلفة التي سيدفعها كل طرف، وخصوصاً أصحاب العمل. وفي السياق، تُطرَح نسب متفاوتة، بين المناصفة حيناً، وبين 44 بالمئة يدفعها أصحاب العمل و56 بالمئة تدفعها الدولة والضمان. وبالتوازي مع القيمة، يبرز سؤال الفترة الزمنية، فهل ستُدفَع التعويضات دفعة واحدة أم تُقَسَّط؟. وأمام كل هذه التساؤلات لا يزال المسار في بدايته، وهو اليوم في مرحلة "الحوار المستمر بين الضمان ووزير العمل وأصحاب العمل لإيجاد الحلول"، وفق ما يؤكّده الأسمر الذي يشير في حديث لـ"المدن" إلى أنّ إعادة التكوين "ضروري جداً، والمستفيدون منه يتوزّعون بين عمّال المصالح المستقلّة والمؤسسات العامة والقطاع الخاص". ولأنّ التمويل هو العقبة الأبرز، يقول الأسمر أنّه "يمكن البدء بإعادة أموال الضمان المتوجّبة على الدولة، والتي تُعتَبَر ديوناً ممتازة، أي لها الأولوية في التسديد. وهي أموال بمليارات الدولارات، يجب إعادتها وإن بالتقسيط، لاستعادة الثقة بالضمان وتنشيط أجهزته". بعد نحو 7 سنوات على تسارع انهيار سعر صرف الليرة والوقوع في الأزمة الاقتصادية والمالية، استعادت المؤسسات جزءاً كبيراً من قدراتها المالية وتكيّفت مع الواقع الجديد الذي تدولرت فيه أسعار كافة السلع والخدمات، بصورة أو بأخرى. وهذا ما خلق التساؤل حول ضرورة تحقيق العدالة لمَن خسر قيمة تعويضاته. وفي السياق عينه، تقتضي العدالة إنصاف مَن أخذ تعويضه المجحف وبين مَن لم يأخذه حتى الآن وفضَّلَ انتظار حلٍّ مناسب. فيما الإنصاف يحتاج إلى تمويل غير متّفق عليه حتى الآن، لأن أصحاب العمل يرون أنّه من العدالة أيضاً عدم إلزامهم بدفع التعويضات مرّتين، لأنّهم غير مسؤولين عن انهيار قيمة الليرة بعد أن دفعوا قيمة اشتراكاتهم للضمان. في الوقت عينه، لا يستطيع الضمان وحده تحمّل كلفة الخسارة من أمواله. في حين تعاني الدولة من ضعف التمويل. ومع ذلك، لا بدّ من إعادة الاعتبار لقيمة التعويضات الهشّة التي دُفِعَت. وبالتالي، يحوِّل الأمر الواقع جوهر عملية إعادة تكوين التعويضات إلى عملية إعادة توزيع للخسارة، علّها تعيد جزءاً من العدالة للعمّال. وهذا السياق يبرّر إعادة الدفع من قِبَل أصحاب العمل والدولة. ومع استمرار البحث، تحاول لجنة المال والموازنة التوصّل إلى حل يوازن بين حقوق العمّال ومصلحة أصحاب العمل الذين يتمسّكون بعدم دفع أي مبالغ ما لم يتم التوصّل إلى حلّ شامل لملف التعويضات. ويؤكّد رئيس جمعية الصناعيين سليم الزعنّي، أنّ أصحاب العمل يؤيّدون تحقيق العدالة للعمّال "ونحن منفتحون على أي حلّ ممكن. فالذين تركوا العمل هم أولاد المؤسسات التي عملوا فيها". ويشير الزعنّي في حديث لـ"المدن"، إلى أنّ إعادة تكوين التعويضات "هي جزء من حلّ شامل لملف التعويض