شهدت الساحة الدولية تحركات استراتيجية متسارعة، عكست عمق التحولات في الخارطة الأمنية لمنطقة الشرق الأوسط وشرق المتوسط. ففي الوقت الذي كانت فيه إسطنبول تفتح أبوابها لاستضافة أول اجتماع رفيع المستوى للجنة المنبثقة عن اتفاقية مكة للدفاع المشترك بين تركيا والسعودية وباكستان، كانت تل أبيب تعلن عن توقيع أضخم صفقة عسكرية في تاريخها مع اليونان، بقيمة ثلاثة مليارات يورو، لإنشاء نظام دفاع جوي متكامل ومتعدد الطبقات. هذا التزامن المثير للتساؤلات يضع المنطقة أمام قراءة جديدة تتجاوز مجرد صفقات السلاح التقليدية، لتكشف عن ملامح هندسة محاور أمنية أكثر صلابة ووضوحاً. ويرى مراقبون أننا بتنا أمام مسارين متوازيين: الأول يقوده تحالف مكة الثلاثي، الذي يجمع القدرات التصنيعية التركية، والموارد المالية والسياسية السعودية، والثقل العسكري والنووي الباكستاني، والثاني تمثله الشراكة الاستراتيجية العميقة بين إسرائيل واليونان وقبرص، المدعومة بظهير أوروبي وأميركي. صفقة إسرائيلية يونانية تعيد رسم منظومة الدفاع وأعلن المتحدث باسم وزارة الدفاع الإسرائيلية أمس الاثنين، أن بلاده وقعت مع اليونان صفقة دفاعية كبرى، تبلغ قيمتها الإجمالية نحو ثلاثة مليارات وواحد وعشرين مليون يورو، وتتضمن بناء نظام دفاعي شامل لليونان يعتمد على بنية أنظمة إسرائيلية متطورة، مثل "مقلاع داود" و"سبايدر" و"باراك إم إكس"، وهي أنظمة مصممة لاعتراض الصواريخ الباليستية والطائرات المسيرة وصواريخ كروز. كما شملت الصفقة، حسب وزارة الدفاع الإسرائيلية، اتفاقاً تكميلياً بقيمة ستة وعشرين مليون يورو لبيع أنظمة "درون دوم" المتخصصة في صيد الطائرات المسيرة وحماية المواقع الحساسة. وتعدّ هذه الصفقة نقطة تحول في العلاقات الإسرائيلية-اليونانية، ليس فقط بسبب حجمها المالي الضخم، بل لكونها تدمج التكنولوجيا الدفاعية الإسرائيلية في صلب العقيدة الأمنية اليونانية لسنوات طويلة مقبلة. اتفاقية مكة.. من التنسيق إلى الردع الجماعي وعلى الجانب الآخر، وفي مدينة إسطنبول التركية، اجتمعت اللجنة السياسية والدفاعية الاستراتيجية لاتفاقية مكة، في أول ظهور مؤسسي لها، بحضور وزراء الخارجية والدفاع ورؤساء أركان الجيوش لكل من تركيا والسعودية وباكستان. ويهدف الاجتماع إلى وضع خارطة طريق للتعاون الدفاعي الجماعي، وتطوير القدرات العسكرية المشتركة، وتعزيز قابلية العمل البيني بين جيوش الدول الثلاث، إضافة إلى الإنتاج الحربي المشترك والبحث والتطوير في مجال التكنولوجيا الدفاعية. وتشير بنود اتفاقية مكة، التي وقعت في آب/أغسطس 2026، إلى مبدأ الدفاع الجماعي، حيث يعتبر أي هجوم مسلح على إحدى الدول الثلاث هجوماً عليها جميعاً، وهو ما يمنح هذا التحالف صبغة دفاعية استراتيجية تتجاوز التنسيق الأمني التقليدي، لتصل إلى مرحلة الردع الجماعي في منطقة تموج بالاضطرابات والتهديدات العابرة للحدود. محاور متوازية.. وتركيا في قلب المعادلة ويرى الخبراء والمحللون السياسيون أن هذا التزامن يحمل دلالات عميقة تتجاوز الصدفة الزمنية. ويعتقد الباحث الأول في المركز العربي لدراسات سوريا المعاصرة، سمير العبد الله، أننا أمام "مرحلة إعادة ترتيب للمجال الأمني الإقليمي، تُبنى فيها شبكات ردع وتحالفات دفاعية جديدة وفقاً للمصالح والتهديدات المتغيرة، لا ضمن اصطفاف ثنائي واضح ومغلق". ويشير العبد الله في حديثه لـ"المدن"، إلى أن اتفاقية مكة بين تركيا والسعودية وباكستان "تمثل محاولة لبناء إطار دفاع جماعي أوسع، يجمع بين القدرات العسكرية التركية، والموارد السعودية، والثقل العسكري الباكستاني، وإذا انتقل الاتفاق من مستوى الإعلان السياسي إلى تدريبات مشتركة، وتنسيق دفاعي فعلي، وإنتاج عسكري مشترك، فإنه سيشكل كتلة إقليمية ذات وزن كبير". ويلفت إلى أنه لا يمكن القول إن اتفاقية مكة "وُلدت لمواجهة إسرائيل واليونان حصراً، لأن لها دوافع مرتبطة أيضاً بإيران واضطراب البيئة الإقليمية وتراجع الثقة بالضمانات الدولية، لكن من الواضح أن الشراكة الإسرائيلية - اليونانية ستُقرأ في أنقرة بوصفها جزءاً من ترتيبات أمنية في شرق المتوسط قد تستهدف تقييد نفوذها". ويضيف "نحن إذاً لسنا أمام حرب محاور مكتملة، بل أمام سباق لتكوينها، وإذا توسعت اتفاقية مكة، مقابل تعميق التعاون الإسرائيلي مع اليونان وقبرص، فقد تتحول المنطقة تدريجياً إلى اصطفافات أمنية أكثر صلابة وخطورة". وأمس، أكدت السعودية وتركيا وباكستان، في بيان مشترك، التزامها بالعمل من أجل ترسيخ السلام والاستقرار في المنطقة، إلى جانب دعم الجهود الرامية إلى خفض التصعيد، وتعزيز ضبط النفس، واللجوء إلى الحلول السياسية والسلمية في التعامل مع الأزمات. وفي إطار الخطوات الرامية إلى تعزيز البنية المؤسسية للاتفاقية، قررت الدول الثلاث إنشاء أمانة دائمة لها في السعودية. وبحس