يشبه لبنان اليوم قارباً في عرض البحر، تتقاذفه الأمواج منذ سنوات، ولا يعرف ركّابه إلى أي شاطئ يتجهون. بدأت العاصفة عام ألفين وتسعة عشر بانهيار نقدي ومصرفي، ثم جاءت جائحة كورونا، ثم انفجار مرفأ بيروت في آب عام ألفين وعشرين، ثم حرب مع إسرائيل خلّفت دماراً واسعاً في مناطق كثيرة من البلاد. وتزامنت هذه الصدمات مع خلافات عميقة بين اللبنانيين حول قضايا كثيرة، حتى بدا العقد الاجتماعي الذي يجمعهم في أضعف حالاته منذ تأسيس لبنان. وفي خضم هذه الأزمات، يبرز سؤال يتجاوز معالجة الخسائر والعودة إلى الاستقرار: أي اقتصاد يريد اللبنانيون أن يبنوه؟ بل إن وراء هذا السؤال سؤالاً وطنياً أوسع: ما المشروع المشترك الذي يستطيع اللبنانيون الالتقاء حوله، رغم اختلافاتهم العميقة؟ فمن دون جواب عن هذه الأسئلة، يبقى القارب بلا بوصلة، وتبقى كل خطة إنقاذ، مهما حسنت نيتها، محاولة لتفادي الموجة القادمة لا للوصول إلى شاطئ محدد. ويشرح هذا المقال لماذا يحتاج لبنان إلى رؤية اقتصادية لعام ألفين وخمسين، ومن يضع هذه الرؤية، وكيف تصبح مرجعاً وطنياً ملزماً. الرؤية الاقتصادية هي اتفاق وطني على نوع الاقتصاد الذي يريد أبناء الوطن بناءه خلال جيل كامل، وعلى الأهداف والأولويات التي ينبغي أن توجه السياسات والقرارات الاقتصادية لتحقيقه. وهي لا تقتصر على إعلان طموحات عامة، بل تحدد ما الذي يريد البلد إنتاجه وتصديره، وأين يريد أن يستثمر موارده، وما الدور الذي ينبغي أن تؤديه الدولة والقطاع الخاص، وكيف يمكن خلق فرص العمل وتحقيق تنمية متوازنة بين المناطق. وبذلك تصبح الرؤية مرجعاً يوجّه الحكومات المتعاقبة، ويمنح السياسات الاقتصادية اتجاهاً واضحاً يتجاوز البرامج والقرارات قصيرة الأجل. وتكتسب هذه الرؤية أهمية إضافية في الحالة اللبنانية اليوم. فلبنان يواجه، إلى جانب أزماته المالية والاقتصادية، سؤالاً أساسياً حول وجهة اقتصاده في العقود المقبلة. هل يمتلك البلد حالياً رؤية اقتصادية وطنية واضحة ومتكاملة، معلنة ومصاغة في أهداف وأولويات وسياسات مترابطة، تقود مسار الاقتصاد وتوجّه قرارات الحكومات؟ أم أن ما لديه لا يتجاوز خططاً وبرامج قطاعية أو إجراءات لمعالجة أزمات آنية، من دون إطار وطني طويل الأمد يجمعها في اتجاه واحد؟ إن وجود مثل هذه الرؤية، إن توافرت، ينبغي أن يكون واضحاً في أهدافها، ومصادر تمويلها، وآليات تنفيذها، ومؤشرات قياس نتائجها. وتظهر الحاجة إلى هذا الإطار بوضوح عند النظر إلى التحدي المالي الذي يواجه لبنان، ومنه مسألة إعادة أموال المودعين. فحتى إذا جرى التوصل إلى اتفاق على آلية قانونية لاسترداد الودائع، يبقى السؤال العملي: من أين ستأتي الأموال اللازمة لتنفيذها؟ لا يستطيع لبنان أن يعتمد على الاقتراض إلى ما لا نهاية، ولا أن يجعل زيادة الضرائب والرسوم على المواطنين والمؤسسات مصدراً أساسياً لتمويل هذه الالتزامات، في اقتصاد يعاني أصلاً من تراجع الدخل والقدرة الإنتاجية. لذلك، لا بد من البحث عن مصدر مستدام للموارد، يقوم على توسيع الإنتاج الوطني، وزيادة الصادرات، وجذب الاستثمارات المنتجة، وخلق فرص العمل، وتعزيز قدرة الاقتصاد على توليد الدخل والعملات الأجنبية. وهنا تتضح الصلة بين استرداد الودائع والرؤية الاقتصادية. فبناء اقتصاد منتج وقادر على التصدير لا يعيد الأموال تلقائياً، لكنه يخلق الشروط الاقتصادية والمالية التي يمكن أن تتيح توفير موارد حقيقية ومستدامة للمساهمة في الوفاء بهذه الالتزامات، من خلال نمو النشاط الاقتصادي، واتساع الإيرادات العامة، وتحسن القدرة على توليد العملات الأجنبية. ومن دون سياسات طويلة الأمد تقود هذا التحول، قد تبقى الوعود المالية منفصلة عن القدرة الفعلية للاقتصاد على تنفيذها. ومن هنا، فإن الحاجة إلى رؤية اقتصادية لا تتعلق فقط بتحديد مستقبل لبنان، بل أيضاً بتحديد الطريق الذي يمكن أن يقود إلى استعادة الحقوق المالية على أساس إنتاجي، بدلاً من إعادة إنتاج الأزمة عبر مزيد من الديون أو الأعباء على المواطنين. لكن أهمية الرؤية لا تقتصر على مضمونها الاقتصادي أو على قدرتها على توجيه السياسات. ففي بلد تتسع فيه الانقسامات السياسية والطائفية والاجتماعية، وتتعرض فيه الثقة بين مكوناته للاهتزاز، تبرز الحاجة إلى مساحة وطنية يستطيع اللبنانيون الالتقاء فيها حول مصالح مشتركة، من دون أن يكون الاتفاق على القضايا السياسية الخلافية شرطاً مسبقاً لذلك. فالاقتصاد، بما يتضمنه من إنتاج وفرص عمل واستثمار وتجارة وتنمية للمناطق، يفتح مجالاً للنقاش والتعاون تتقاطع فيه مصالح فئات ومناطق ومكونات مختلفة. وقد يختلف اللبنانيون في رؤيتهم للنظام السياسي أو في قضايا الهوية والتمثيل، لكنهم يستطيعون مناقشة مستقبل فرص العمل، ومستوى المعيشة، والإنتاج الوطني، ومستقبل أبنائهم، وما يمكن أن يحققه بلدهم إذا اتفقوا على ا