مرّت الذكرى المئوية لإعلان الاستقلال السوري الأول في 8 آذار 1920، في ظل تجاهل تام من رأس ومؤسسات "الجمهورية العربية السورية". الذكرى التي تضم إعلان تتويج الأمير فيصل بن الحسين على رأس المملكة السورية، وشروع المؤتمر السوري (الذي تحوّل إلى جمعية تأسيسية)، في مناقشة بنود مشروع دستور 1920 وإقرارها، وعلى رأسها البند الأول الذي نصّ على "حكومة مدنية نيابية عاصمتها دمشق الشام ودين مَلكها الإسلام"، والبند (28) الذي جعل الوزارة "مسؤولة عن أعمالها أمام المجلس النيابي" وليس أمام الملك. فخلال العام 2020، اقتصر إحياء الذكرى على ندوة برعاية الأمير الحسن في عمّان، ومحاضرة لكاتب هذه السطور في منتدى الفكر العربي بعمّان. وربما لو قارنا بين دستور 1920 الذي اعتمد النظام النيابي ومسؤولية الوزارة أمام المجلس النيابي وليس أمام الملك فيصل، ودستور 1973 الذي وضع كلّ السلطات تقريباً في يد الرئيس حافظ الأسد والتي حكم بموجبها الأب والابن سوريا حتى نهاية 2024، لعرفنا سبب التجاهل الرسمي آنذاك، خصوصاً بعدما أصبحت سلطات الأسد الابن لا تحكم جغرافية الخريطة السورية كاملة، ولم تعد تطابق "الجمهورية العربية السورية" تحت حكم آل الأسد. كان اعتبار "دمشق قلب العروبة النابض"، يغطي تاريخ سوريا ما قبل الأسدين، في المناهج الجامعية لأقسام التاريخ والكتب المدرسية ضمن التاريخ العربي الحديث، ويمجّد في المقابل إنجازات الأسدين اللذين حكما سوريا أكثر من نصف قرن، وأكثر من ذلك إذا تحدثنا عن "حكم البعث" منذ 1963. هكذا، أصبح تاريخ سوريا الحديث، في النصف الأول منه (1918-1963)، مؤدلجاً وممسوخاً، ولم يعد هناك حتى مقرّر عن تاريخ سوريا المعاصر في قسم التاريخ بجامعة دمشق. ولأجل ذلك، انطلقت مشاعر مكبوتة بعد 24/12/2024 تعبّر عن الهوية المرغوبة أو المنشودة لسوريا الجديدة التي تراوحت من استعادة دمشق الأموية، إلى إعادة الاعتبار لسوريا الديموقراطية التي بدأت مع دستور 1920، مع تباين الآراء حول الهوية الوطنية السورية ومرتكزاتها التاريخية أو المتخيّلة في غياب الدراسات عن النصف الأول من "القرن السوري". فباستثناء الطبعة الثانية لكتاب "من الحكومة إلى الدولة: تجربة الحكومة العربية في دمشق 1918-1920" الذي صدر في عمان 2025، وندوة "كيف نكتب تاريخ سوريا" التي نظمها في دمشق في مستهل العام 2026 المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، صدر هذه السنة كتاب "من فيصل الأول إلى أحمد الشرع لحظات سوريا الفارقة بين أبناء الأرض وأبناء السماء: في الدولة والتحولات" للكاتب ابراهيم الجبين (عمان، المؤسسة العربية للدراسات والنشر 2026، 448 صفحة)، ويغطي فيه ما هو أكثر من نصف القرن المغيب، إلى مقاربة جديدة تستعرض "القرن السوري" كله، بما فيه من تحولات وحكومات ودساتير وانقلابات وتدخلات إقليمية ودولية جعلت النهايات مفتوحة على مصير الدولة والمجتمع . وبعد أعماله الشعرية والروائية، مثل "عين الشرق" و"يوميات يهودي"، وغيرها مما عبّر عن انشغاله بالتاريخ لطرح رؤية مختلفة عما يجري في دمشق وسوريا، اتجه الجبين إلى الكتابة في التاريخ العربي والإسلامي لينشر دراسات تطرح مقاربات مختلفة عما استقر عليه الحال من توجهات متطرفة باسم الدين، ومن ذلك كتابه "لغة محمد" الذي أوضح فيه أن لغة الرسول كانت متنوعة وغير متشددة ولا عنصرية، على عكس ما يبدو في خطابات الجماعات الإسلامية التي تكاثرت في سوريا قبل 2011 وبعدها. ومع انخراطه في المعارضة، كتابة وممارسة في مؤسساتها في الخارج، تحوّل الجبين إلى الدراسات السياسية التي تستند إلى أرضية واسعة تاريخية وفكرية وثقافية كما في كتابه "الطريق إلى الجمهورية 1800-1952"، الذي تناول فيه انشغال الرواد بفكرة الدولة التي بقيت هاجساً لدى المثقفين بعد احتكارها من قبل حزب أو أسرة وتحوّل سوريا إلى ساحة للصراعات الإقليمية والقوى الكبرى. ومع صِلاته بقوى المعارضة، أتيح له أن يعرف مسبقاً ما هو قادم مع عملية "ردع العدوان" التي انتهت إلى سقوط "سوريا الأسد" في 24/12/2024 فكتب ونشر بعض المقالات في "المدن" وكانت نواة هذا الكتاب الأخير. في هذا الكتاب يتجلى شغف الجبين بالتاريخ السوري المعاصر، بعدما غطّت عليه عقود الأدلجة وتغييب الخبرة الدستورية والنيابية للحركة الوطنية، والمؤسسات الجديدة للدولة السورية، حتى أن دستور 1973 بدا وكأنه نبتة كبرى في صحراء مقفرة. ومن هنا حرص على توثيق المصادر والمراجع حيث استقى المعطيات التي بني عليها تحليلاته واستنتاجاته. وما بين التحليلات والاستنتاجات هناك المقاربة المهمة التي قامت عليها هذه الدراسة وبرزت في العنوان (من فيصل الأول إلى أحمد الشرع )، لا سيما في الخاتمة. العنوان الفرعي "في الدولة والتحولات" يعبّر عن الانشغال الرئيسي للمؤلف، وهو ما يفصّل فيه الحديث على سبعة أسئلة أو أقسام في الكتاب: الشرعية والد