يسود اعتقاد بأن تشديد العقوبات الأميركية على إيران هو نتيجة لإخفاق الحرب عليها. بعد خسارة الرهان العسكري ضد طهران - تقول الحجة - لجأ الرئيس دونالد ترامب إلى تعزيز العقوبات، كخيار بديل، لدفعها إلى التفاوض بشروطه. ليتَ الحدود بين الحروب الاقتصادية والعسكرية بهذا الوضوح. في القرن التاسع عشر، لم تكن العقوبات الاقتصادية سائدة. كانت الدول تدفع الديون لمن أقرضها، حتى ولو كانت في حرب معه. تغيّر الوضع مع الحرب العالمية الأولى وخصوصاً عشية تأسيس "عصبة الأمم". ذاك أنّ المنتصرين والخاسرين اعتقدوا حينها أنّ "الحصار كان حاسماً لنتيجة الحرب"، بحسب نيكولاس مولدر من جامعة كورنيل. ويذكر مولدر، مؤلف كتاب "السلاح الاقتصادي: بروز العقوبات كأداة حرب معاصرة"، أنه وبينما يُنظر اليوم بشكل عام إلى العقوبات باعتبارها بديلاً للحرب، رأى معظم الناس في فترة ما بين الحربين أن "السلاح الاقتصادي" (التعبير السائد قبل استخدام كلمة "العقوبات") هو "الجوهر الأساسي للحرب الشاملة". ترامب وإيران... تعديل القول والفعل يمكن تعديل مقولة كلاوزفيتز عن أن "الحرب هي استمرارٌ للسياسة بوسائل أخرى" لتصبح "العقوبات هي استمرار للحرب بوسائل أخرى". وفي حالة إيران، العكس صحيح أيضاً. فقد بدأت عقوبات ترامب على إيران قبل فترة طويلة من الحرب العسكرية عليها. لكن إذا بدا ثمة انقطاع بين مرحلتي الحرب والعقوبات على إيران فهي لأن ترامب، وحتى فترة قريبة، تعامل معهما كخيارين مختلفين ووليدي لحظة معيّنة. ساعد ذلك على رسم تصور مفاده أن حرب الأربعين يوماً كانت ذروة جميع الضغوط الأميركية السابقة، وبالتالي، كان على إيران التفاوض بحسن نية. لم يحدث ذلك بسبب هذا التصوّر تحديداً: "صمدت إيران أمام كلّ الضغوط وأقساها"، وبالتالي "كان على أميركا التراجع". لكن الخطأ الكامن في قراءة المعادلة واضح. بينما يسهل تحديد انتهاء الضغط العسكري، يصعب تحديد نهاية مفاعيل الضغط الاقتصادي. مفعول الأول مدمّر وسريع، ومفعول الثاني جراحيّ وبطيء. الأوّل يطال القيادة العسكرية والسياسية والثاني ينعكس على الشعب الذي تخشاه تلك القيادة. بالنسبة إلى صانع قرار أميركي، لم يكن يُفترض أن تكون الحرب تصعيداً عسكرياً لحصد صفقة، بل فقط لإرجاع البرنامج النووي إلى الوراء، ولجعل الكلفة الاقتصادية للعقوبات أكثر سوءاً. بالتوازي، كان على واشنطن ألا تبادر إلى طلب التفاوض مع إيران. العقوبات، والحصار بشكل أشدّ، هي التي تدفع إيران إلى المبادرة بطلب التفاوض. أمّا إذا لم تبادر فستكون قد اختارت العزلة حيث يمكنها التفكير ملياً بالسؤال الأهم: هل تستحق إعادة إطلاق البرنامج النووي، تحت وطأة العقوبات، صرف عشرات المليارات من الدولارات قبل أن يتعرض للقصف مجدداً؟ عقب الحرب العالمية الثانية، لم ترفع الولايات المتحدة العقوبات عن ألمانيا إلا بعد عقد كامل على الاستسلام والتأكد من تحولها إلى دولة مسالمة. في فنزويلا، حيث حققت أميركا مؤخراً انتصاراً واضحاً، لا تزال غالبية العقوبات مفروضة. مع طهران، لم يرفع ترامب العقوبات سريعاً، لكنه أمر بالتراجع عن الحصار البحري بمجرد إبرام مذكرة تفاهم كان واضحاً أنها معيوبة. مشكلة ترامب الجلية نفوره من الانتظار. لكن نتائج العقوبات تستهلك وقتاً طويلاً قبل التبلور. استغرقت العقوبات على ليبيا نحو 10 أعوام لتسليم المتّهمين في تفجير "لوكربي" ودفع التعويضات. وفي جنوب أفريقيا استغرقت أكثر من عقدين لإنهاء نظام الفصل العنصري. وفي الحالتين، كانت تلك العقوبات أممية. الرئيس الأميركي دونالد ترامب يستعد لدخول طائرته الرئاسية، 4 أغسطس 2026. (أ ب) مع ذلك، لم تكن العقوبات العامل الوحيد الذي صاغ النتائج. في جنوب أفريقيا، حضرت المقاومة الداخلية. ومع ليبيا، ساهم غزو العراق في دفع زعيمها الأسبق معمر القذافي إلى التخلي عن برنامجه لأسلحة الدمار الشامل. قد تنجح العقوبات أو قد تتعثر بحسب ظروفها، خصوصاً أن الدول المعاقَبة تتعلم تدريجياً كيف تلتف حولها. لكن الطريق الأسرع إلى إفشالها، هي الطريق نفسها لإفشال الحرب، أي انتزاعها من سياقها واستخدامها لتحقيق غرض دعائي، كصفقة "برّاقة" مثلاً. يجعل ذلك من العقوبات "استمراراً للدعاية، لا للحرب، بوسائل أخرى". يبدو أن واشنطن تتعلم الدرس حالياً ولو بطريقة تدريجية.