يشكّل تقبّل الأطفال الذين يعانون اضطراب طيف التوحّد ودمجهم في الحياة اليومية إحدى أبرز الخطوات المطلوبة لمساعدتهم وعائلاتهم، في وقت لا تقتصر فيه المسؤولية على الأهل وحدهم، بل تمتد إلى المجتمع الذي يُفترض أن يتأقلم معهم ويتعامل مع وجودهم باعتباره جزءًا طبيعيًا من الحياة. وفي هذا السياق، أكدت المحامية والناشطة الحقوقية رانيا صفير، خلال مقابلة ضمن برنامج "3:15 إجتماع" عبر شاشة "RED TV"، أن "التوحّد هو اضطراب وليس مرضًا، وحتى الآن لا نعرف أسبابه"، مشيرة إلى أن الحالات تختلف من شخص إلى آخر، إذ يصل بعضها إلى حد عدم النطق، فيما يعيش أشخاص آخرون بصورة طبيعية ويتمكنون من التخرّج من المدارس والجامعات. وشددت صفير على أهمية دمج الأطفال في المجتمع، معتبرة أن المسؤولية لا تقع على عاتقهم أو على عائلاتهم وحدها، وقالت: "نسعى دائمًا إلى دمج هؤلاء الأطفال والحالات في المجتمع، لكن على المجتمع أيضًا أن يبذل جهدًا للتأقلم معهم وتقبّلهم". ولفتت إلى أن هؤلاء الأطفال بحاجة إلى الحب والحنان، داعية المواطنين إلى عدم إشعارهم بالخوف منهم أو بأنهم مختلفون عن الآخرين. وفي ما يتعلق بدور العائلة، رأت صفير أن الخوف الذي قد يعيشه الأهل عند مواجهة الحالة يجب ألا يمنعهم من اتخاذ الخطوات المناسبة لمساعدة طفلهم، وقالت: "على الأهل، مهما كان حجم خوفهم، أن يضبطوا أنفسهم وأن يباشروا بالعلاج المناسب للطفل". كما شددت على ضرورة تقبّل الأهل لأبنائهم مهما كانت حالتهم، والاستماع إلى رأي الأخصائيين في المدرسة والاستعانة بمعالج نفسي، لما لذلك من أهمية في التعامل مع احتياجات الطفل ومساعدته. واعتبرت أن نظرة العائلة إلى الطفل تنعكس عليه بصورة مباشرة، قائلة: "عندما ينظر الأهل إلى أبنائهم على أنهم نعمة، يتحسن الطفل بشكل أسرع لأنه يشعر بحبهم وتقبّلهم له". وفي موازاة الاهتمام بالطفل، وضعت صفير تماسك الأسرة في صلب الأولويات، مؤكدة أن "الأهم أن تحافظ العائلة التي لديها طفل من هذه الحالات على وحدتها وتماسكها". وحذرت من الضغوط النفسية التي قد يبلغها بعض الأهل، مشيرة إلى أن "بعض الأهل يصلون إلى حالة نفسية قد تدفعهم إلى التخلي عن أولادهم، كما أن بعض الأمهات قد يتخلين عن أطفالهن". ومن هنا، شددت صفير على ضرورة كسر الخجل والعزلة، داعية الأهل إلى إدخال أبنائهم في تفاصيل حياتهم اليومية بدل إبعادهم عنها، وقالت: "يجب على الأهل بدايةً ألّا يخجلوا بأولادهم، وأن يدمجوهم في حياتهم اليومية ويصطحبوهم معهم في نشاطاتهم ونزهاتهم". وختمت بالتأكيد أن الدمج لا يتحقق بإبقاء الطفل بعيدًا عن الناس، بل بجعل وجوده بينهم أمرًا طبيعيًا، قائلة: "يجب أن يعتاد أولادنا على الوجود بيننا، وأن نُعوّد المجتمع على وجودهم وتقبّلهم كجزء طبيعي منه". وتضع هذه المقاربة مسؤولية التعامل مع التوحّد على مسارين متوازيين: عائلة تتقبّل طفلها وتحافظ على تماسكها وتؤمّن له المتابعة المناسبة، ومجتمع يفتح أمامه مساحة للاندماج بدل أن يدفعه نحو العزلة.