بدأت القصة من أمام مدارس ثانوية في فرنسا، لكنها لم تبقَ فرنسية طويلًا. ففي غضون أسابيع، تحوّلت احتجاجات شبابية محلية إلى موجة عابرة للحدود وصلت إلى 10 دول أوروبية على الأقل، مدفوعة بارتفاع كلفة المعيشة وتراجع الخدمات العامة والخوف من مستقبل بلا أفق واضح، فيما لم تنجح مئات الاعتقالات ولا المحاولات السياسية في إخمادها. وبحسب تقرير للصحافي تومر ألموغ في "القناة 12" الإسرائيلية، بدأت شرارة الاحتجاجات في أواخر أيلول، عندما قرر طلاب في فرنسا إغلاق مداخل مدارسهم الثانوية احتجاجًا على تدهور أوضاع النظام التعليمي في البلاد. وبعد أيام قليلة، انضم إليهم ناشطون اجتماعيون ومدرسون وأهالٍ وطلاب جامعات، لتنتشر التظاهرات في أنحاء فرنسا، قبل أن تعبر خلال أسابيع حدود البلاد وتتحول إلى موجة احتجاجية غير اعتيادية تجتاح مناطق مختلفة من أوروبا. ووصلت الاحتجاجات حتى الآن إلى 10 دول أوروبية على الأقل. وعلى الرغم من اختلاف الأسباب المباشرة من دولة إلى أخرى، فإن القاسم المشترك بينها يبقى واضحًا: غلاء المعيشة، وأوضاع الخدمات العامة، ومخاوف الشباب حيال مستقبلهم في القارة. وفي هذا السياق، قال رئيس قسم الدراسات الأوروبية في جامعة تل أبيب البروفسور تال سديه: "إنهم يقولون شيئًا بسيطًا جدًا: الحياة أصبحت مكلفة بالنسبة إلينا، ولذلك نريد من الحكومة أن تقوم بأمور لتحسين الوضع"، واصفًا الاحتجاجات بأنها "ظاهرة عابرة للحدود". وشهدت عطلة نهاية الأسبوع الأخيرة استعراض قوة جديدًا للحركة الاحتجاجية في أنحاء أوروبا. ووفق وزارة الداخلية الفرنسية، تظاهر نحو 320 ألف شخص في مختلف أنحاء فرنسا، بينهم 70 ألفًا في باريس. وفي ألمانيا، نُظمت تظاهرات بواسطة مجموعة الاحتجاج "Gen Z regelt"، أي "جيل Z يأخذ الأمور بيده"، في أكثر من 30 مدينة، بينها العاصمة برلين والمركز المالي فرانكفورت. وفي مدريد، أُقيم مخيم ضخم من الخيام في نهاية الشهر الماضي، بينما فرّقت السلطات في بروكسل متظاهرين باستخدام الغاز المسيل للدموع وخراطيم المياه. وفي إيطاليا، خرج عشرات الآلاف إلى الشوارع في مدن عدة، وسُجلت عمليات نهب لمحال تجارية، فيما شهدت ألبانيا مواجهات بين أعداد كبيرة من الشباب والشرطة خلال احتجاجات عنيفة تمحورت حول الغضب من الفساد في البلاد. وقال لوكا، وهو طالب طب يبلغ نحو 20 عامًا، لشبكة "NBC": "لقد انتهينا تمامًا"، عازيًا إحباطه إلى أن الأجور لا تواكب وتيرة التضخم والارتفاع المتواصل في كلفة المعيشة. ورغم أن غالبية المشاركين في الاحتجاجات تظاهروا من دون اللجوء إلى العنف، فإن وجود مجموعات عنيفة داخل الحركة يثير مخاوف كبيرة في أنحاء أوروبا. وترافقت بعض التظاهرات مع عمليات نهب وتخريب وأعمال عنف ضد عناصر الشرطة، فيما أوقفت السلطات مئات المتظاهرين في مختلف أنحاء القارة. ومع اتساع رقعة التحركات، يشدد سديه على أن مركز الثقل يبقى في فرنسا، قائلًا: "هذه في الأساس ظاهرة فرنسية، وهي موجودة في دول أخرى، لكن لا تصل في أي مكان إلى مستوى القوة وعدد المشاركين ومستويات العنف التي نراها في فرنسا". وأوضح أن انتقال الاحتجاجات إلى دول أخرى جاء نتيجة "الإلهام والتقليد واستغلال فرصة إعلامية". وأشار إلى أن التاريخ الفرنسي الحافل بالاضطرابات، إلى جانب الوضع السياسي الاستثنائي الذي تعيشه البلاد، يشكلان عاملين أساسيين في تفسير قوة الاحتجاجات الحالية. وقال: "السياسة الفرنسية لا تزال، على امتداد تاريخها، سياسة اضطرابات. هذه هي الثقافة السياسية الفرنسية، ثقافة الاحتجاجات، لأن هناك شعورًا بأن النخبة لن تلتقط الرسائل بطريقة أخرى". وتُعرف الاحتجاجات في فرنسا بارتباطها باليسار، وهي تأتي قبل فترة قصيرة من الانتخابات الرئاسية المقررة في نيسان. وفي وقت انتقدت فيه زعيمة اليمين مارين لوبان، التي تتقدم بفارق كبير على منافسيها في استطلاعات الرأي، أعمال العنف وتعهدت بإعادة النظام إلى البلاد، أعلن زعيم اليسار جان لوك ميلانشون دعمه للاحتجاجات وسعى إلى توظيفها في معركته السياسية. وفي قراءة لتأثير ما يجري على الانتخابات، توقع سديه أن تكون "النتيجة الأساسية لهذه الاضطرابات هي تعزيز لوبان وضمان انتخابها إلى حد كبير". ورجّح أن يؤدي اقتراب فصل الشتاء إلى خفض حدة الاحتجاجات قليلًا، لكنه شدد على أن آثارها لن تختفي بالكامل، قائلًا: "شيء من هذا سيبقى... كل ذلك مقدمة للانتخابات". وبين شرارة بدأت أمام المدارس الفرنسية وغضب وصل إلى شوارع دول أوروبية عدة، باتت موجة الاحتجاج تعكس أزمة أوسع لدى جيل شاب يرى أن الأجور والخدمات والفرص لا تواكب كلفة الحياة، فيما تتحول الشوارع تدريجيًا إلى ساحة سياسية قد تظهر نتائجها الفعلية عند صناديق الاقتراع.