لم يكن تحالف بنيامين نتنياهو مع الأحزاب الحريدية واليمين المتطرف، وفق قراءة إسرائيلية، نتيجة حصار سياسي فرضه عليه خصومه أو سياسة "فقط ليس بيبي"، بل خيارًا متعمدًا جمع أطرافًا تتقاطع مصالحها عند نقطة أساسية: إضعاف المنظومة القضائية، بما يخدم في الوقت نفسه معركة نتنياهو الشخصية المرتبطة بمحاكمته. وبحسب مقال للكاتب نداف تمير في صحيفة "معاريف" الإسرائيلية، تتردد بين مؤيدي إقامة حكومة وحدة تضم غادي آيزنكوت ونفتالي بينيت وأفيغدور ليبرمان إلى جانب نتنياهو، رواية مفادها أن سياسة "فقط ليس بيبي" هي التي أدت إلى تشكيل الحكومة الأخيرة التي يصفها الكاتب بأنها "الرهيبة"، وأن مقاطعة نتنياهو لم تترك أمامه خيارًا سوى تشكيل ائتلاف مع الحريديم واليمين المتطرف. إلا أن تمير يرى أن هذه الرواية "لا تصمد أمام اختبار الواقع"، معتبرًا أن المصلحة القضائية لنتنياهو هي التي حددت تركيبة ائتلافه. وبحسب المقال، فمنذ تقديم لوائح الاتهام ضد نتنياهو، بات هدفه الأساسي التأثير في مصير محاكمته. واستشهد تمير بما قاله يائير لابيد من أن "نتنياهو يريد أن يقرر من سيكون المدعي العام في محاكمته"، معتبرًا أن ما يقف في قلب هذه الخطوة ليس إصلاحًا قضائيًا ولا أيديولوجيا، بل استغلال فرصة سياسية لإحداث تغيير في النظام القضائي. وأشار إلى أن أفيغدور ليبرمان، رغم كونه شخصية يمينية واضحة، وصف بدوره الإصلاح الذي يقوده ياريف ليفين بأنه خطوة لإنقاذ نتنياهو وليس إصلاحًا قضائيًا، فيما رأى بيني غانتس فيه محاولة لإعادة تنظيم نظام الحكم بطريقة تخدم نتنياهو، وربما أرييه درعي أيضًا. وانطلاقًا من ذلك، يرى تمير أنه إذا كان هذا هو هدف نتنياهو، فلم يكن في إمكان لابيد وغانتس وليبرمان أن يكونوا شركاء فيه، بعدما وضع الثلاثة الحفاظ على استقلالية المنظومة القضائية باعتباره خطًا أحمر. ولفت إلى أن حكومة التناوب التي شكلها نتنياهو مع غانتس عام 2020 انهارت خلال أقل من عام، وخلال الفترة التي تولى فيها غانتس حقيبة العدل، لم تُدفع إلى الأمام أي خطوة كبيرة لإضعاف المحكمة أو المستشارين القانونيين. كذلك، فإن حكومة الطوارئ التي تشكلت بعد 7 تشرين الأول انشغلت بالحرب وحدها، ولم تغيّر سياسة نتنياهو في الملف القضائي. وبحسب الكاتب، تعلّم نتنياهو من هذه التجارب أن الشراكة مع الوسط السياسي يمكن أن تمنحه استقرارًا مؤقتًا، لكنها لا تمنحه ما يحتاج إليه فعلًا، أي ائتلافًا يؤيد تغيير ميزان القوى بين الحكومة والمنظومة القضائية. ولهذا، كان يحتاج إلى شركاء لديهم مصلحة مستقلة في إضعاف هذه المنظومة. فالأحزاب الحريدية، وفق المقال، تنظر إلى المحكمة العليا والمستشارة القضائية للحكومة بوصفهما عقبة أمام تنظيم إعفاء طلاب المدارس الدينية من الخدمة العسكرية. أما بتسلئيل سموتريتش، فيرى في المنظومة القضائية عائقًا أمام الضم الفعلي وتوسيع المستوطنات، فيما يسعى إيتمار بن غفير، بحسب الكاتب، إلى دفع سياسات من شأنها المساس بالمساواة في حقوق عرب إسرائيل، ويرى في المحكمة والمستشارين القانونيين عقبة أمام تحقيق ذلك. وهكذا، وفق تمير، تشكّل ائتلاف يمتلك كل طرف فيه مصلحة خاصة في إضعاف المنظومة القضائية، فيما يدعم الجميع في الوقت نفسه مسارًا يخدم نتنياهو أيضًا، وهو ائتلاف لم يكن في استطاعة لابيد أو غانتس أو ليبرمان الانضمام إليه من دون التخلي عن مبادئهم. لكن الكاتب يعتبر أن الخطأ الذي ارتكبه المعسكر الليبرالي لم يكن رفضه الانضمام إلى ما وصفها بـ"حكومة الفظائع" التي يقودها نتنياهو، بل إبقاء عرب إسرائيل خارج المعركة على الديمقراطية. ويرى تمير أن المواطنين الفلسطينيين في إسرائيل لديهم اعتراضات وصفها بالمحقة على المحكمة والمستشارين القانونيين، الذين يقول إنهم شرعنوا على مدى سنوات ما يصفه بـ"الاحتلال" وسمحوا بالتمييز، بما في ذلك من خلال قانون القومية. ويعتبر أنه لهذا السبب تحديدًا، يدرك هؤلاء أهمية النضال من أجل مبادئ وثيقة الاستقلال، وضد الفساد والعنصرية وما يصفه الكاتب بـ"الاحتلال". وأضاف أنه عندما خرج إسرائيليون إلى الشوارع للدفاع عن الديمقراطية، شعر كثيرون منهم بالذعر من أي إشارة إلى ما يصفه الكاتب بـ"الاحتلال"، ومن أي اعتراف بالهوية الوطنية الفلسطينية، إذ أرادوا الدفاع عن الديمقراطية الإسرائيلية، لكنهم تجاهلوا، وفق رأيه، أنها لا تستطيع الاستمرار طويلًا بالتوازي مع حرمان ملايين الفلسطينيين من حقوقهم. وهنا يضع تمير ما يعتبره "الخطأ الاستراتيجي" الحقيقي للمعسكر الليبرالي، موضحًا أنه لم يكن في مقاطعة نتنياهو، بل في محاولة الفصل بين المعركة من أجل الديمقراطية وبين النضال لإنهاء ما يصفه بـ"الاحتلال" وتحقيق المساواة في الحقوق. وفي هذا السياق، يرى الكاتب أن أمام غادي آيزنكوت فرصة لتصحيح هذا الخطأ، ولكن ليس من خلال إقامة حكومة وحدة مع نتنياه