ليس طبيعياً أن يستمر لبنان في التعامل مع ما يجري في الجنوب وكأنه أزمة عابرة يمكن للوقت أن يحلها. فالأرض تُقضم، والقرى تُدمّر، والسكان يعيشون بين التهجير والخوف من المجهول، فيما تبدو الدولة عاجزة عن تحويل موقفها السياسي إلى حضور فعلي، وتبقى المقاومة أمام واقع عسكري وسياسي شديد التعقيد لم يمنع إسرائيل حتى الآن من مواصلة الضغط وتغيير الوقائع على الأرض. ومن يعيش في جبل عامل لا يحتاج إلى تقارير بعيدة كي يدرك حجم التحول. يكفي أن يرى القرى والطرق والمنازل والأراضي الزراعية، وأن يسمع من بقي ومن غادر، ليدرك أن المسألة لم تعد مجرد جولة عسكرية. هناك مجتمع يتعرض للاستنزاف، وبيئة عمرانية واقتصادية واجتماعية تتآكل، وذاكرة مكانية مهددة بأن تتحول مع الوقت إلى مجرد صور من الماضي. المشكلة ليست فقط أن إسرائيل تتقدم. المشكلة أن لبنان لا يبدو وكأنه يتقدم في الاتجاه المقابل. فإذا كانت إسرائيل تعتمد سياسة القضم التدريجي وفرض الوقائع، فإن الدولة اللبنانية تتحرك أساساً في المسار الدبلوماسي والتفاوضي، من دون أن يظهر حتى الآن ما يكفي من أدوات القوة السياسية والميدانية لمنع تحول الأمر الواقع إلى وضع دائم. والتفاوض ضرورة، لكنه يحتاج إلى أوراق قوة وإلى قدرة على تحويل الموقف السياسي إلى ضغط فعلي. وفي المقابل، لا يمكن تجاهل السؤال المتعلق بالمقاومة نفسها. فالمقاومة التي شكّلت تاريخياً جزءاً أساسياً من مواجهة الاحتلال وقدّمت تضحيات كبيرة، تواجه اليوم تحدياً مختلفاً: كيف تحافظ على وظيفتها الأساسية في حماية الأرض، في ظل واقع لم تعد فيه المعادلات القائمة تمنع القضم والدمار والتهجير؟ هذا السؤال ليس طعناً في تاريخ المقاومة، ولا إنكاراً لتضحياتها، ولا حكماً على أهلها أو مقاتليها. بل هو سؤال سياسي طبيعي تفرضه التحولات الميدانية. فالاستراتيجيات، مهما كان تاريخها، تحتاج إلى مراجعة عندما تتغير الظروف والنتائج. كما أن نقد أداء الدولة لا يعني إعفاء المقاومة من مسؤوليتها، ونقد خيارات المقاومة لا يعني تبرئة الدولة من عجزها. المعيار يجب أن يكون واحداً: ماذا يفعل كل طرف اليوم لحماية الأرض والناس ومنع تثبيت الاحتلال؟ وهنا نصل إلى الخطر الأعمق: تفتيت جبل عامل. ولا أقصد بالتفتيت بالضرورة مشروعاً معلناً لتقسيم الأرض أو تغيير حدودها. التفتيت قد يحدث بصورة أكثر هدوءاً وخطورة: قرى تخسر سكانها، عائلات لا تجد سبباً للعودة، اقتصاد محلي ينهار، مؤسسات تتراجع، أجيال تكبر وهي لا ترى في قراها مستقبلاً مضموناً، ومجتمع يبدأ بالتعامل مع الابتعاد عن أرضه كخيار طبيعي. هذه ليست مسألة حدود فقط. إنها مسألة بقاء. فجبل عامل ليس مجرد منطقة جغرافية تقع في أقصى الجنوب اللبناني. إنه مجتمع له تاريخه وذاكرته ودوره في تكوين لبنان. ولذلك فإن إضعاف قدرته على البقاء والتماسك لا يمكن اختزاله في خسارة عسكرية أو في ملف تفاوضي. ومن هنا، يجب أن يتغير مستوى النقاش. لم يعد كافياً أن نسأل: هل تفاوض لبنان؟ وهل أطلقت المقاومة موقفاً؟ وهل ردت إسرائيل؟السؤال الأهم هو: هل بقي أهل الجنوب قادرين على البقاء في أرضهم؟ وهل بقيت الدولة حاضرة فيها؟ وهل يوجد مسار واضح يمنع تحول القضم إلى واقع دائم؟ إذا كانت الإجابة غامضة، فهذه مشكلة وطنية تتجاوز أي طرف بعينه. الدولة مطالبة بأن تكون أكثر حضوراً وفاعلية، لا أن تكتفي بإدارة الأزمة من بعيد. والمقاومة مطالبة بأن تراجع أداءها في ضوء ما يجري على الأرض، لا لأن تاريخها يُلغى، بل لأن حماية الجنوب تتطلب دائماً البحث عن الوسيلة الأكثر قدرة على تحقيق الغاية. ولا ينبغي وضع الجنوبي أمام خيارين فقط: إما حرب مفتوحة، وإما الاستسلام. هناك عمل سياسي ودبلوماسي وقانوني وشعبي، وهناك تثبيت للسكان، وإعادة إعمار، وحماية اقتصادية واجتماعية للقرى الحدودية، وتوثيق مستمر للاحتلال والانتهاكات، وحضور فعلي للدولة، إلى جانب حق لبنان في الدفاع عن أرضه بكل الوسائل المشروعة التي يقررها ضمن استراتيجية وطنية. المهم ألا يبقى الجنوب وحده في مواجهة الزمن. فالزمن، في مثل هذه الصراعات، ليس محايداً دائماً. كل قرية لا يعود إليها أهلها، وكل منزل يبقى مدمراً، وكل أرض تتعطل زراعتها، وكل شاب يبحث عن مستقبله بعيداً عن بلدته، يضيف طبقة جديدة إلى واقع يصعب تغييره لاحقاً. وهنا تحديداً يصبح القضم أخطر من عملية عسكرية محدودة. لأن القضم لا يهدف فقط إلى السيطرة على مساحة؛ إنه يستطيع، إذا طال، أن يغيّر علاقة الإنسان بأرضه. ومن يعيش في جبل عامل يرى هذه التفاصيل بصورة مختلفة عمن يراقب الجنوب من خلف الشاشات. يرى ماذا يعني أن تتغير حياة قرية، وأن تتراجع الحركة الاقتصادية، وأن تصبح العودة سؤالاً لا جواب له. ولذلك فإن التحذير من هذا المسار ليس موقفاً سياسياً ضد طرف، بل دفاع عن مجتمع يعرفه أبناؤه من الداخل. لقد دفع الجنوب ثمناً كبيراً ف