لم يكن الشرق الأوسط الذي رسمت ملامحه اتفاقية سايكس–بيكو عام 1916 يشبه المنطقة التي نعيش تحوّلاتها اليوم، لا في طبيعة القوى المتحكمة به، ولا في أدوات الصراع داخله، ولا في موقعه ضمن الاقتصاد العالمي. لكن الثابت بين المرحلتين هو أن هذه المنطقة لم تكن يوماً مجرد مساحة جغرافية، بل عقدة استراتيجية تتقاطع فيها المصالح الدولية، وتُختبر على أرضها موازين القوى، وتتأثر بها حركة التجارة والطاقة والأمن العالمي.فما الذي تغيّر خلال أكثر من قرن؟ وهل نحن أمام إعادة رسم للحدود، أم إعادة تشكيل للنظام الإقليمي نفسه؟ أولاً: من الانتداب إلى صراع الإراداتفي 16 أيار 1916، توصّلت بريطانيا وفرنسا إلى اتفاقية سايكس–بيكو السرية، لتوزيع مناطق النفوذ في الأراضي العربية التابعة للدولة العثمانية. لم تكن الاتفاقية وحدها هي التي صنعت حدود المنطقة، لكنها شكّلت محطة أساسية في مشروع إعادة تنظيم المشرق، الذي استُكمل لاحقاً عبر ترتيبات مؤتمر سان ريمو عام 1920 ونظام الانتداب.وفي عام 1917، جاء وعد بلفور ليضيف بُعداً جديداً إلى الصراع على فلسطين، قبل أن يؤدي قيام إسرائيل عام 1948 إلى تحويل القضية الفلسطينية إلى محور دائم في الأمن والسياسة الإقليميين.ثم جاءت حرب حزيران 1967، فغيّرت الواقع العسكري والجغرافي، واحتلت إسرائيل الضفة الغربية والقدس الشرقية وقطاع غزة وسيناء والجولان ومزارع شبعا اللبنانية. وفي عام 1979، أعادت الثورة الإيرانية تشكيل موازين القوى، لتدخل المنطقة مرحلة جديدة من التنافس الاستراتيجي، تعززت بعد الحرب العراقية الإيرانية بين عامي 1980 و1988.أما الغزو الأميركي للعراق عام 2003، ثم الانتفاضات العربية التي انطلقت عام 2011، فقد كشفا هشاشة عدد من الدول، وفتحا المجال أمام صعود قوى مسلحة وتدخلات إقليمية ودولية متشابكة.وهكذا، لم تعد المنطقة محكومة فقط بالحدود التي رسمتها القوى الاستعمارية، بل أصبحت ساحة تتنافس فيها الدول على النفوذ والممرات الاستراتيجية والطاقة والأمن. ثانياً: من احتكار الغرب إلى تعددية الأقطابكان الشرق الأوسط في القرن العشرين مجالاً مركزياً للنفوذ البريطاني والفرنسي، ثم أصبح جزءاً أساسياً من الاستراتيجية الأميركية خلال الحرب الباردة وبعدها. أما اليوم، فقد اتسعت دائرة اللاعبين لتشمل الصين وروسيا، إلى جانب القوى الإقليمية، وفي مقدمتها إيران وتركيا والمملكة العربية السعودية وكيان الاحتلال الإسرائيلي.هذا التحول لا يعني انتهاء النفوذ الأميركي، ولا انتقال المنطقة بالكامل إلى محور دولي جديد، بل يعكس تراجع قدرة أي قوة منفردة على إدارة جميع الملفات الإقليمية من دون حساب مصالح الآخرين.وتُظهر مبادرة الحزام والطريق الصينية، والتوسع في العلاقات الاقتصادية بين دول الخليج وآسيا، والتنافس على الموانئ والطاقة والتكنولوجيا، أن الصراع لم يعد عسكرياً فقط، بل بات اقتصادياً ومالياً وتكنولوجياً أيضاً.وفي المقابل، لا تزال فلسطين، والصراع العربي الإسرائيلي، ومستقبل سوريا والعراق ولبنان، والأمن في الخليج، ملفات تحدد طبيعة التحالفات الإقليمية وحدودها.وقد أظهرت حرب غزة (طوفان الأقصى) التي اندلعت في 7 تشرين الأول 2023، واتساع المواجهات على جبهات أخرى، مدى الترابط بين الأمن الإقليمي والتوازنات الدولية، وكيف يمكن لتطور عسكري محلي أن يتحول إلى أزمة دبلوماسية واقتصادية تتجاوز حدود المنطقة. ثالثاً: لماذا يهتز الاقتصاد العالمي عندما تضطرب المنطقة؟تكمن الأهمية الاقتصادية للشرق الأوسط في اجتماع ثلاثة عناصر: الطاقة، والممرات البحرية، والموقع الجغرافي الذي يربط آسيا بأوروبا وأفريقيا.وفق إدارة معلومات الطاقة الأميركية، بلغ متوسط تدفق النفط ومشتقاته عبر مضيق هرمز نحو 20.7 مليون برميل يومياً عام 2024، أي ما يعادل قرابة 20% من الاستهلاك العالمي للسوائل النفطية. كما مرّ عبر المضيق نحو خُمس تجارة الغاز الطبيعي المسال عالمياً في العام نفسه.هذه الأرقام تفسّر لماذا لا تبقى تداعيات أي تهديد للمضيق محصورة في دول الخليج، إذ يمكن أن تنعكس على أسعار النفط، وتكاليف النقل والإنتاج، ومعدلات التضخم، والميزانيات الحكومية في دول مستوردة للطاقة.ولا تقل أهمية قناة السويس والبحر الأحمر عن أهمية مضيق هرمز. ففي الظروف الطبيعية، يمر عبر قناة السويس نحو 15% من حجم التجارة البحرية العالمية. لكن اضطرابات الملاحة في البحر الأحمر أدت، خلال الشهرين الأولين من عام 2024، إلى انخفاض حجم التجارة العابرة للقناة بنحو 50% مقارنة بالفترة نفسها من العام السابق، وفق صندوق النقد الدولي. كما ارتفعت حركة السفن الملتفة حول رأس الرجاء الصالح بنحو 74%، وزادت مدة الشحن في بعض المسارات عشرة أيام أو أكثر.والنتيجة ليست مجرد ارتفاع في أجور الشحن والتأمين، بل تأخر وصول المواد الأولية والسلع، وزيادة تكاليف الإنتاج، واضطراب سلاسل الإ