كشفت الانتخابات الإسرائيلية الأخيرة مجددًا حجم النفوذ الذي باتت تتمتع به الأحزاب الصغيرة في معادلة تشكيل الحكومات، إذ يمكن لحزب لا يمتلك أكثر من 4 إلى 6 مقاعد أن يتحول إلى الطرف الذي يحسم هوية رئيس الحكومة وشكل إدارتها، فيما ارتفعت كلفة هذا النفوذ من مئات ملايين الشواكل سنويًا إلى نحو 5 مليارات شيكل في السنوات الأخيرة. وبحسب تقرير للصحافي نحوم بيري في صحيفة "معاريف" الإسرائيلية، فإن عملية تشكيل الحكومة في إسرائيل يُفترض أن تشكل جسرًا بين نتائج الانتخابات وإقامة حكومة مستقرة تحظى بثقة الكنيست، إلا أن اللقاء بين أحزاب السلطة الكبيرة والكتل الصغيرة والقطاعية تحول خلال السنوات الأخيرة إلى ساحة مساومات قاسية. وبدل التسويات الأيديولوجية الواسعة، باتت المفاوضات الائتلافية تتركز في كثير من الأحيان على توزيع الموارد، والحصول على موازنات مفضلة، وعدد كبير من الحقائب الوزارية، فضلًا عن الصلاحيات التنفيذية. وفيما يحتاج الحزب الكبير إلى عشرات المقاعد حتى يتمكن من قيادة الحكومة، يستطيع حزب صغير يملك بين 4 و6 مقاعد أن يمسك في أحيان كثيرة بمفتاح تحديد هوية رئيس الحكومة والطريقة التي ستُدار بها إسرائيل. ولا يتناول التقرير الحالة الاستثنائية التي تولى فيها رئيس حكومة منصبه بـ6 مقاعد. وتبرز الأموال الائتلافية بوصفها واحدة من أبرز الأمثلة على كلفة هذه المعادلة. فوفق بيانات وزارة المالية وتحليلات المعهد الإسرائيلي للديمقراطية، كانت قيمة هذه الأموال في حكومات سابقة تدور حول بضع مئات ملايين الشواكل سنويًا، لكنها قفزت خلال السنوات الأخيرة إلى نحو 5 مليارات شيكل. ومن أبرز الأمثلة تخصيص نحو 1.5 مليار شيكل سنويًا لدعم المؤسسات الدينية والمدارس التوراتية "اليشيفوت"، بالتوازي مع الدفع نحو إدخال شبكات التعليم الحريدية في برنامج "أفق جديد"، وهي خطوة يقول منتقدوها إنها نُفذت من دون شروط الرقابة وتدريس المواد الأساسية المطلوبة عادة. وتشمل الأمثلة الأخرى تحويل مئات ملايين الشواكل إلى مشاريع مخصصة، بينها بطاقات الغذاء التابعة لوزارة الداخلية، إلى جانب مخصصات واسعة لشعبة الاستيطان، فضلًا عن إنشاء هيئات خاصة مثل سلطة الهوية القومية اليهودية ووزارة التراث. وغالبًا ما يجري تحويل هذه الموازنات عبر آليات تتجاوز سلم الأولويات ومعايير الدعم المعتادة لدى الوزارات الحكومية والمستوى المهني، الأمر الذي يثير انتقادات حادة من مسؤولين مهنيين في شعبة الموازنات والمستشارية القضائية للحكومة. ولا تقتصر المساومات السياسية على الأموال، إذ تظهر أيضًا من خلال تفكيك وزارات حكومية ونقل صلاحيات تنفيذية حساسة إلى وزراء يمثلون أحزابًا صغيرة. ويُظهر تحليل الاتفاقات الائتلافية للائتلاف المنتهية ولايته، الذي أعده المعهد الإسرائيلي للديمقراطية، كيف جرى فصل صلاحيات عن وزاراتها الأصلية بهدف إرضاء الشركاء، ومن بينها نقل صلاحيات الإدارة المدنية والمسؤولية عن مناطق الضفة الغربية إلى وزير إضافي في وزارة الدفاع، بتسلئيل سموتريتش، والاتفاق على إخضاع حرس الحدود في الضفة الغربية لوزير الأمن القومي إيتمار بن غفير. وتبرز أيضًا المطالب التشريعية التي أُدرجت في الاتفاقات باعتبارها شروطًا ملزمة للانضمام إلى الحكومة، ومن بينها الدفع نحو "قانون أساس: دراسة التوراة"، وإجراء تغييرات في النظام القضائي، وإقرار "بند التغلب"، فضلًا عن تعديلات على قوانين اجتماعية مختلفة، ربطت الأحزاب الصغيرة انضمامها إلى الحكومة بإقرارها. وفي مقابل هذه الوقائع، ينقسم الجدل العام والأكاديمي بشأن المفاوضات الائتلافية إلى مقاربتين أساسيتين تعكسان إحدى المعضلات الديمقراطية في إسرائيل. فمن جهة، يرى المنتقدون وهيئات الأبحاث الاقتصادية أن ما يجري يشكل نوعًا من الابتزاز السياسي، إذ تستطيع مجموعات أقلية صغيرة فرض جدول أعمالها ومصالحها القطاعية على مجمل الجمهور. وبحسب هؤلاء، تؤدي هذه المعادلة إلى حالة مزمنة من عدم الاستقرار، والإضرار بالمساواة في تحمّل الأعباء، وإضعاف الخدمة العامة التي يجري تجاوزها عبر الاتفاقات السياسية. وفي المقابل، يرى مؤيدو النظام أن هذه الآلية تعكس مبدأ التمثيل السياسي، وتحمي الأقليات وتضمن عدم دفع مجموعات مختلفة من السكان إلى الهامش. ويشدد هؤلاء على أن الصراع خلال مفاوضات تشكيل الائتلاف يمثل ثمنًا ضروريًا، يجبر حزب السلطة على الاستماع إلى شركائه وتنفيذ الوعود التي قدموها لناخبيهم. ومع توالي الأزمات السياسية في إسرائيل وصعوبة تشكيل ائتلافات مستقرة لفترات طويلة، تُطرح من حين إلى آخر مقترحات لتغيير قواعد اللعبة. ومن أبرز الأفكار التي يطرحها خبراء في الحكم وقانونيون تشديد القيود الزمنية المفروضة على عملية تشكيل الحكومة، ووضع سقف مالي قانوني للاتفاقات السياسية بالتوازي مع إلزامها بالشفافية الكاملة، إضافة إلى