طوّر الأردن، خلال السنوات الماضية، استراتيجية أمنية للتعامل مع التحديات على حدوده مع سوريا، الممتدة على طول 375 كيلومتراً، في مواجهة تداعيات أمنية خلّفها نظام بشار الأسد، بعدما تحوّل الجنوب السوري إلى منطلق رئيسي لتهريب المخدرات والأسلحة إلى الأراضي الأردنية، عبر شبكات منظمة واصلت نشاطها حتى بعد سقوط النظام. ورغم تولي الإدارة السورية الجديدة مسؤولية مكافحة التهريب وملاحقة مصادر إنتاج المخدرات والتصدي للتهديدات الإرهابية، واصل الأردن تنفيذ عمليات عسكرية داخل الأراضي السورية، شملت غارات جوية استهدفت مواقع لتصنيع المخدرات في السويداء وطرق الإمداد والتهريب. وشكّلت عملية "الردع الأردني – حمود"، في 26 تشرين الأول/أكتوبر، والتي أسفرت عن مقتل ثمانية مدنيين وفق حصيلة أعلنتها مديرية صحة درعا، تحولاً في طبيعة العمليات الأردنية داخل سوريا، مع اتساع نطاق أهدافها المعلنة ليشمل مكافحة الإرهاب. تندرج الغارات الأردنية الأخيرة ضمن استراتيجية أوسع للتعامل مع المخاطر الحدودية، بدأت ملامحها منذ أيار/مايو 2023، حين شنّت المقاتلات الأردنية غارات على موقعين في الجنوب السوري، أولهما في قرية الشعاب بريف السويداء، والآخر قرب محطة لتنقية المياه في محيط خراب الشحم بريف درعا الغربي. وأعلن الجيش الأردني حينها استهداف مواقع لتصنيع المخدرات. وتكررت الغارات في كانون الثاني/يناير 2024، عندما استهدفت القوات الأردنية مواقع مرتبطة بالمخدرات في قرية أم الرمان جنوبي السويداء. يشير الخبير في الشؤون الأمنية عزيز موسى إلى أن العلاقات السورية - الأردنية اتخذت بعد سقوط النظام شكلاً جديداً من التنسيق الأمني والعسكري. ففي 7 كانون الثاني 2025، أعلن الجانبان الاتفاق على تشكيل لجنة أمنية مشتركة لضبط الحدود ومواجهة تهريب الأسلحة والمخدرات ومنع عودة تنظيم "داعش"، خلال لقاء وزيري الخارجية أيمن الصفدي وأسعد الشيباني في عمّان. وفي 24 كانون الأول/ديسمبر الماضي، نفّذ الأردن غارات جوية استهدفت، وفق الجيش الأردني، مصانع ومواقع تستخدمها مجموعات تهريب الأسلحة والمخدرات قواعد لعملياتها على الحدود الشمالية للمملكة. وبشأن حادثة إطلاق النار قرب مجموعة من الأطفال في محافظة درعا، في 30 تشرين الأول، يؤكد مصدر أمني في درعا لـ"النهار" أن إطلاق النار من الجانب الأردني قرب الحدود جاء في إطار بروتوكول التعامل مع المخاطر الحدودية، إثر الاشتباه بتحركات غير قانونية، ولا يرتبط بأي توترات ناجمة عن عملية "الردع الأردني – حمود". ويرى المصدر أن إطلاق النار "لم يكن يستهدف مدنيين سوريين"، رغم ما أثارته الحادثة من تساؤلات بشأن ملابساتها. ويلفت المصدر إلى أن تشرين الأول شهد نشاطاً مكثفاً لمحاولات التهريب. وفي هذا السياق، أعلنت إدارة مكافحة المخدرات السورية تفكيك 30 شبكة تهريب وضبط نحو 4.3 ملايين حبة كبتاغون، خلال عمليات أمنية نُفّذت في أنحاء البلاد. كما أعلنت السلطات الأردنية، في الأول من تشرين الثاني/نوفمبر، إحباط محاولة تهريب مليوني حبة مخدرة عبر معبر جابر الحدودي، في مؤشر إلى استمرار التحديات الأمنية على الحدود بين البلدين. وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني خلال لقائه نظيره الأردني أيمن الصفدي في عمّان، 7 كانون الثاني/يناير 2025. (المملكة) أعادت حادثة الكرك في الأردن طرح الحسابات الأمنية المتعلقة بالتعامل مع الجماعات المتطرفة، التي تنظر إليها عمّان باعتبارها تهديداً مستمراً، ولا سيما في ظل ما يُثار عن امتداداتها وصلاتها بجماعات خارج الحدود. وفي هذا الإطار، يوضح الخبير في شؤون الجماعات الإسلامية عبد الله الحمد لـ"النهار" أن ربط الجيش الأردني عمليته الأخيرة في سوريا بحادثة الكرك "قد لا يعكس بالضرورة ارتباطاً مباشراً بين منفذي الحادثة والأهداف التي طاولتها الغارات، بقدر ما يحمل رسائل موجهة إلى أصحاب الأيديولوجيات المتطرفة ومصادر دعمها". ويرى أن عمّان تعتمد هذا النهج ضمن استراتيجيتها الاحترازية لمنع انتقال التهديدات الإرهابية إلى أراضيها. من جهته، يشير الخبير في الشؤون الأمنية عزيز موسى، في حديث لـ"النهار" إلى أن عمّان تعتمد في تعاملها مع الحدود السورية على مستويات عدة، أولها الأمن الاستباقي، من خلال رصد شبكات التهريب وملاحقتها واستهدافها داخل الأراضي السورية، سواء عبر آليات التنسيق الأمني التي أُعلن عنها في كانون الثاني 2025، أو من خلال الغارات الجوية المباشرة. أما المستوى الثاني، فيتعلق بالتعامل مع التهديدات الهجينة التي تجمع بين تهريب المخدرات والأسلحة والتسلل المسلح والأنشطة الإرهابية، فضلاً عن التصدي للطائرات المسيّرة التي تُستخدم أحياناً في نقل المخدرات والمواد الممنوعة، عبر تكثيف عمليات الرصد والمراقبة لمنع استغلال مناطق الاضطراب الأمني. ويلفت موسى إلى أن عمليات التهريب استمرت بعد سقوط النظام