استحوذت تلة علي الطاهر على الاهتمام طوال أشهر، حتى بدا للبعض أن السيطرة عليها ستشكل محطة حاسمة في مسار الحرب. غير أن إعلان جيش الاحتلال الإسرائيلي، في 3 سبتمبر/أيلول الماضي، تحقيق ما وصفه بالسيطرة العملياتية على التلة، فوق الأرض وتحتها، ثم إعلانه بعد نحو أسبوع تفجير شبكة أنفاق تابعة لحزب الله، لم يُحدثا التحول المنتظر في مسار الحرب؛ إذ أظهرت التطورات اللاحقة أن السيطرة على معقل بعينه لم تكن كافية لتغيير معادلة المواجهة. وبينما تواصل إسرائيل توسيع نطاق عملياتها وتجريف مناطق في الجنوب، وتمد تحركاتها إلى شمال الليطاني، يدخل حزب الله مرحلة إعادة التموضع وترميم القدرات. وفي المقابل، تحاول الدولة اللبنانية الموازنة بين بسط سلطتها وتجنب الصدام الداخلي، تحت وطأة ضغوط أمريكية وغربية متصاعدة. وهكذا تنفتح البلاد على مرحلة جديدة تتشابك فيها الحسابات العسكرية والسياسية، وقد تحمل تطوراتها فصولا أكثر تعقيدا. التمدد الإسرائيلي بعد علي الطاهر لم يؤد إعلان السيطرة على تلة علي الطاهر إلى توقف العمليات العسكرية الإسرائيلية في الجنوب اللبناني، إذ واصلت إسرائيل عمليات الهدم والتجريف في المناطق الواقعة ضمن الشريط الذي تسميه "الخط الأصفر"، وكذلك في المناطق الواقعة شماله. ففي المنصوري، استمر تفجير المنازل وتجريف الأبنية طوال سبتمبر/أيلول، حتى أعلن الجيش الإسرائيلي استكمال عملية عسكرية بحجم لواء في البلدة. وفي زوطر الشرقية، تواصل الهدم على مقربة من زوطر الغربية التي عاد إليها بعض السكان، فيما شهدت بلدات أخرى، بينها حولا وعيتارون، تفجيرات متواصلة. وبالتوازي مع هذه العمليات، وسع الجيش الإسرائيلي نطاق تحركاته شمال نهر الليطاني على مسارين متداخلين؛ تمثل الأول في تنفيذ استهدافات متفرقة في محيط النبطية، بينما ركز الثاني على المناطق الجبلية الواقعة خلف تلة علي الطاهر، وتحديدا جبل الريحان وجبل الرفيع وسجد. وتكتسب هذه المناطق أهمية في البنية الدفاعية والهجومية والقيادية لحزب الله، نظرا لطبيعتها الجبلية الوعرة وصلتها الجغرافية بمناطق الجنوب والبقاع الغربي، مما يجعلها امتدادا للمواقع التي استهدفتها إسرائيل في معركة علي الطاهر. وتشير هذه التحركات إلى أن السيطرة على التلة كانت مرحلة ضمن مسار عسكري يسير في 3 اتجاهات متوازية، إذ تواصل إسرائيل استهداف المواقع التي تعتقد أنها تشكل معاقل رئيسية لحزب الله، وتستمر في هدم المنازل والمنشآت داخل الشريط الحدودي، وتكثف المراقبة والاستطلاع تمهيدا لتنفيذ عمليات توغل أو اغتيال أو تفجير، بحسب التطورات الميدانية. وامتدت تداعيات هذه العمليات إلى القرى التي اختيرت لتكون "مناطق تجريبية" وفق الاتفاق الإطاري الذي رعته واشنطن، والتي انتشر فيها الجيش اللبناني منذ يوليو/تموز في إطار "إعادة السكان وإرساء الاستقرار". ففي زوطر الغربية، توغلت مدرعتان ترافقهما جرافات باتجاه مجرى النهر، ونفذتا عمليات تمشيط مطلع أكتوبر/تشرين الأول. وفي 9 أكتوبر/تشرين الأول، تقدمت قوة مشاة وجرافة إلى مسافة تقدر بنحو 50 مترا من نقطة للجيش اللبناني عند خزان البلدة، مع استمرار اقتلاع أشجار الزيتون. وقد أثرت هذه التحركات في جهود إعادة السكان، إذ لم تتمكن سوى 60 عائلة من أصل نحو 450 عائلة من العودة إلى زوطر الغربية، في ظل نقص المياه والكهرباء والقيود المفروضة على الحركة بسبب التحركات الإسرائيلية داخل البلدة ومحيطها. وبذلك لم تنجح تجربة المناطق التجريبية حتى الآن في توفير الظروف الأمنية والخدمية اللازمة لعودة السكان بصورة مستقرة. "لم تنجح تجربة المناطق التجريبية حتى الآن في توفير الظروف الأمنية والخدمية اللازمة لعودة السكان بصورة مستقرة" ولم يعد هذا المسار محل تخمين، فقد أعلنه وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس بنفسه. ففي 14 أكتوبر/تشرين الأول، وخلال جولة في المنطقة التي يحتلها جيشه، هدد بضم النبطية ومنطقة الليطاني إلى "منطقة أمنية دائمة" إذا انضم حزب الله إلى إيران في أي مواجهة مع إسرائيل، وقال إن الضاحية الجنوبية ستُخلى وتُقصف. ثم نشر في 20 أكتوبر/تشرين الأول ما سماه "عقيدة أمنية" تقضي ببقاء الجيش الإسرائيلي في منطقة تبلغ نحو 700 كيلومتر مربع، تمتد من الساحل إلى قلعة الشقيف وتلة علي الطاهر وسفوح جبل الشيخ، ما دام حزب الله لم يُنزع سلاحه في كل لبنان، وبأن أي نيران على بلدات الشمال سيُرد عليها بضرب الضاحية. وأقر كاتس في الوثيقة نفسها بتدمير أكثر من 60 قرية ونحو 23 ألف منزل، فيما كانت صحيفة نيويورك تايمز قد خلصت قبل أسبوع إلى أن إسرائيل سوّت بالأرض 48 من نحو 60 بلدة تحتلها منذ هدنة أبريل/نيسان، وأن ما نجا منها بلدات غالبيتها مسيحية أو سنية أو درزية. وعلى الأرض، تواصل الهدم والحرق في النصف الثاني من أكتوبر/تشرين الأول في الخيام وبيت ياحون وزوطر الشرقية والقنطرة