تتقدّم العلاقات اللبنانيّة السوريّة نحو مرحلة أكثر اتّساعًا من التعاون السياسيّ والمؤسّساتيّ، مع انتقال التفاهمات المتراكمة منذ سقوط نظام بشّار الأسد إلى مسارات تنفيذيّة تشمل الملفّات الأمنيّة والقضائيّة والإداريّة. وفي هذا السياق، يزور دمشق، اليوم الاثنين، أوسع وفد وزاريّ لبنانيّ من حيث التمثيل الوزاريّ منذ التغيير السياسيّ في سوريا، برئاسة نائب رئيس الحكومة طارق متري، وعضويّة أربعة وزراء تتّصل اختصاصاتهم مباشرةً بالقضايا العالقة بين البلدين. وتكتسب الزيارة أهميّتها من حجم التمثيل الحكوميّ وتعدّد الملفّات المطروحة، في ظلّ واقع إقليميّ جديد تفرض فيه التحوّلات السياسيّة والأمنيّة إعادة تنظيم المصالح المشتركة. وفي حديثه لـِ "المدن"، يعرض متري أولويّات المحادثات المتعلّقة بتنظيم الوجود السوريّ في لبنان، ويحدّد وزير الداخليّة أحمد الحجّار مجالات التعاون الأمنيّ، من ضبط الحدود إلى مكافحة الجريمة والتطرّف وتبادل المعلومات. ويضمّ الوفد، إلى جانب متري، وزراء الداخليّة والبلديّات أحمد الحجّار، والعمل محمد حيدر، والتربية ريما كرامي، والشؤون الاجتماعيّة حنين السيّد. وتتيح هذه التركيبة عقد اجتماعات قطاعيّة مباشرة مع النظراء السوريّين، إلى جانب المحادثات الموسّعة، بما يعكس انتقال العلاقة الثنائيّة من التفاهمات السياسيّة العامّة إلى معالجة الملفّات وفق الاختصاصات الوزاريّة المعنيّة. متري لـِ "المدن": تنظيم الوجود السوريّ أولويّة يؤكّد نائب رئيس الحكومة طارق متري، في حديث إلى "المدن"، أنّ الزيارة تأتي استكمالًا لمسار من الحوار مع الجانب السوريّ، بهدف معالجة أوضاع المواطنين السوريّين المقيمين في لبنان ضمن مقاربة أكثر منهجيّة وشموليّة. وتشمل المحادثات أوضاع النازحين العائدين إلى سوريا والذين لا يزالون في لبنان، وتنظيم العمالة، ومعالجة حالات الدخول غير النظاميّ. كما تتناول الأوراق الثبوتيّة والشهادات المدرسيّة، وإحصاء الأشخاص الذين دخلوا خلسةً، وتنظيم حركة الدخول والخروج عبر الحدود. ويوضح متري أنّ الوفد اللبنانيّ يضمّ أربعة وزراء إلى جانبه، يقابلهم أربعة وزراء سوريّين، بما يتيح بحث القضايا المشتركة من جوانبها المختلفة، وتحديد الإجراءات المطلوبة لمعالجة المشكلات المتراكمة. وفي ما يتعلّق بتوقيت الزيارة، وعلاقتها بالمفاوضات الإقليميّة، يشدّد متري على استقلال المسار السياسيّ والتفاوضيّ عن جدول المحادثات الوزاريّة. كما ينفي صحّة ما تردّد بشأن طلب سوريّ سابق لإشراك لبنان في المفاوضات أو إطلاعه على مجرياتها. ولا يستبعد أن تتخلّل اللقاءات أحاديث عن التطوّرات السياسيّة، بما فيها الأوضاع السّياسيّة في المنطقة، لكنّه يؤكّد أنّ أولويّة البحث هي معالجة أوضاع السوريّين المقيمين مؤقّتًا في لبنان. وتستدعي هذه الملفّات إجراءات تتوزّع على وزارات وأجهزة مختلفة، وترتبط بالإقامة القانونيّة وحقوق العمل والاعتراف بالمستندات الرسميّة وشروط العودة والعبور. وهي مسائل تتطلّب تنسيقًا مباشرًا بين المؤسّسات المختصّة في البلدين. تعاون أمنيّ على أعلى المستويات وفي الشقّ الأمنيّ، يوضح وزير الداخليّة والبلديّات أحمد الحجّار لـ"المدن" أنّ المحادثات ستشمل القضايا ذات الاهتمام المشترك، وفي مقدّمها ملفّ النازحين وتسهيل الإجراءات بين البلدين. ويقول الحجّار: "سأبحث مع نظيري السوريّ في الأمور الأمنيّة المشتركة، بما فيها موضوع الحدود والتنسيق الأمنيّ على أعلى المستويات، ومكافحة المخدّرات والجرائم الجنائيّة وتبادل المعلومات". ويشدّد على أهميّة التعاون في مكافحة شبكات التطرّف ذات الامتدادات العابرة للحدود، بما يتطلّبه ذلك من تنسيق بين الأجهزة المختصّة. ويحتلّ ضبط الحدود موقعًا أساسيًّا في هذا التعاون، نظرًا إلى ارتباطه بتنظيم حركة الأشخاص والعمالة والنازحين، فضلًا عن مكافحة التهريب والجريمة المنظّمة. وتقتضي معالجة هذه المسائل تطوير آليّات مشتركة لتبادل المعلومات وتحديد المسؤوليّات، وفق الأصول القانونيّة والاختصاصات السياديّة لكلّ دولة. وتندرج هذه المحادثات في مسار إعادة تنظيم العلاقة الأمنيّة بين بيروت ودمشق، بما يتيح الانتقال من التفاهمات الظرفيّة إلى تعاون مؤسّساتيّ تحكمه مرجعيّات واضحة. فلول النظام السابق: التسليم والاختصاص القضائيّ ويحضر ملفّ الشخصيّات والعناصر المحسوبة على النظام السوريّ السابق ضمن القضايا الحسّاسة في العلاقة الثنائيّة، خصوصًا بعد المطالبات السوريّة السابقة بتسليم بعض الموجودين على الأراضي اللبنانيّة. ويؤكّد متري لـِ "المدن" أنّ الوفد اللبنانيّ لن يبادر إلى إثارة هذا الملفّ، مع إمكان مناقشته إذا طرحه الجانب السوريّ. ويشكّك في المعلومات المتداولة بشأن وجود لوائح بأسماء مطلوبين، موضحًا أنّ الحديث عنها تكرّر من دون أن يتبيّن وجودها فعليًّا، وفق معلومات