لم تعد النظرة الإسرائيلية إلى لبنان محصورة بإبعاد حزب الله عن الحدود أو منع هجماته، بل باتت تتصل بمشروع أوسع لإعادة تشكيل الواقع الأمني والسياسي على الجبهة الشمالية، من خلال منع إعادة بناء قدراته العسكرية، وقطع خطوط إمداده، وتقليص ارتباطه بالقرار الإيراني، وصولاً إلى تغيير موقعه في المعادلة اللبنانية والإقليمية. فإسرائيل التي تخوض مواجهة أوسع مع إيران على النفوذ وموازين القوى، تنظر إلى لبنان باعتباره إحدى الساحات الأساسية لترجمة نتائج هذه المواجهة إلى تحولات استراتيجية طويلة الأمد. لكن فهم هذه الاستراتيجية لا يكتمل من دون التوقف عند ميزان القوى. فإسرائيل لا تدخل هذه المواجهة بالقدرات نفسها التي يمتلكها خصومها، بل تستند إلى تفوق عسكري وتكنولوجي واستخباراتي واسع، وسلاح جو متطور، وقدرات استطلاع ومراقبة واستهداف دقيقة، ومنظومات دفاع جوي متعددة الطبقات، فضلاً عن دعم عسكري واستراتيجي أميركي يمنحها هامشاً واسعاً في إدارة الصراعات. وهذا التفوق لا يعني أن إسرائيل قادرة على تحقيق جميع أهدافها أو حسم الحروب بلا أثمان، لكنه يمنحها قدرة كبيرة على المبادرة، وفرض إيقاع المواجهة، واستهداف البنى العسكرية واللوجستية، وتحويل التفوق الميداني إلى أوراق ضغط سياسية. وفي لبنان، تتجلى خطورة هذا الاختلال في أن البلاد لا تواجه خصماً يتفوق عليها في بعض عناصر القوة فحسب، بل دولة تمتلك إمكانات عسكرية واستخباراتية واقتصادية أوسع بكثير، وتستطيع توظيفها في عمليات متواصلة، فيما يعيش لبنان أزمة اقتصادية ومؤسساتية عميقة، ويعاني جيشه من محدودية الإمكانات مقارنة بحجم التحديات. وحتى قدرة حزب الله على إلحاق الأذى بإسرائيل، وما يمتلكه من خبرة قتالية وصواريخ وقدرات غير تقليدية، لا تلغي الفارق البنيوي في ميزان القوة، ولا تمنحه ضمانة منع إسرائيل من توسيع عملياتها أو فرض وقائع جديدة. من هنا، لا تسعى إسرائيل فقط إلى إبعاد حزب الله عن الحدود ومنع إعادة بناء ترسانته، بل تعمل على استثمار تفوقها العسكري لإعادة صياغة البيئة الأمنية المحيطة بها. غير أن تحويل التفوق العسكري إلى نفوذ سياسي دائم ليس أمراً مضموناً. فالتفوق في المعركة لا يعني القدرة على إنتاج استقرار مستدام، كما أن فرض الوقائع بالقوة قد يحقق مكاسب آنية، لكنه قد يزرع أسباب مواجهات جديدة، خصوصاً عندما يترافق مع استمرار الاعتداءات أو تعطيل إعادة الإعمار أو انتهاك السيادة. وهنا يصبح لبنان أمام معادلة شديدة التعقيد. فمن جهة، لا يمكنه تجاهل ميزان القوى أو التعامل مع المخاطر الإسرائيلية بمنطق الشعارات، وكأن الإرادة وحدها قادرة على تعويض الفجوة العسكرية. ومن جهة أخرى، لا يمكن تحويل هذا الاختلال إلى مبرر دائم لاستمرار السلاح خارج الدولة، لأن تعدد مراكز القرار الأمني يضع لبنان أمام حروب قد لا يملك وحده قرار اندلاعها أو وقفها. كما أن الرهان على تراجع إسرائيل بفعل الكلفة العسكرية وحدها لا يكفي، مثلما أن الرهان على أن الضغوط الإسرائيلية ستؤدي تلقائياً إلى قيام دولة لبنانية قوية هو رهان غير مضمون. فالدولة لا تُبنى على نتائج الحروب، ولا على حسابات إسرائيل أو إيران، بل على مشروع وطني يستعيد القرار السيادي، ويعزز الجيش، ويعيد الاعتبار للمؤسسات، ويوفر للبنانيين الحماية والاستقرار. ولا يمكن فصل حصرية السلاح وقرار الحرب والسلم عن الشروط التي تجعلها قابلة للتحقق. فاستعادة الدولة لقرارها لا تعني الاكتفاء بمطالبة حزب الله بالتخلي عن سلاحه، بل تستوجب أيضاً معالجة الاعتداءات الإسرائيلية، وتحرير الأرض، وتعزيز قدرات الجيش، وتوفير ضمانات جدية تمنع استباحة السيادة. فلا يمكن مطالبة الدولة بتحمل مسؤولياتها الأمنية فيما تُترك من دون الإمكانات والضمانات اللازمة. وفي المقابل، لا يستطيع لبنان استعادة سيادته عبر تكريس وصاية إيرانية، كما لا يجوز أن يتحول اختلال ميزان القوى إلى مدخل لقبول وصاية إسرائيلية أو تسليمها حق تقرير مستقبل البلاد. فالمصلحة اللبنانية ليست في الانضمام إلى محور ضد آخر، بل في بناء دولة قادرة على حماية مصالحها، والتفاوض من موقع الشرعية، والاستفادة من علاقاتها الدولية لحماية أرضها وشعبها. إن إسرائيل تمتلك عناصر قوة تتيح لها محاولة إعادة تشكيل المنطقة، لكن حدود هذه القوة لا تتحدد عسكرياً فقط، بل أيضاً بقدرتها على تحويل المكاسب الميدانية إلى واقع سياسي قابل للاستمرار. فالقوة تستطيع تغيير المعادلات، لكنها لا تصنع وحدها شرعية أو سلاماً دائماً. أما لبنان، فالتحدي لم يعد فقط كيف يتجنب حرباً جديدة، بل كيف يخرج من معادلة يكون فيها أضعف من أن يفرض شروطه، وأكثر انقساماً من أن يوحد قراره. ففي ميزان القوة، قد تكون إسرائيل صاحبة اليد العسكرية العليا، لكن ذلك لا يمنحها حق تقرير مصير لبنان. والسيادة التي لا تحميها مؤسسات قادرة وقرار وطني مو