حين قررت الجزائر إرسال وحدات عسكرية إلى النيجر، لم يكن السؤال مقتصراً على المنشآت التي سيحرسها الجنود الجزائريون، بل امتد إلى موازين القوة التي قد يغيرها حضورهم. فعلى الجانب الآخر من الحدود النيجرية مع ليبيا، يمتد نفوذ خليفة حفتر في الجنوب الليبي، مستنداً إلى قوة عسكرية وتحالفات خارجية، أبرزها علاقته بالإمارات. وبين مصالح الجزائر وحسابات حفتر، تبرز الصحراء ساحة تنافس قد تصبح أكثر احتكاكاً. خطوة جزائرية تتجاوز حراسة النفط في تشرين الأول/ أكتوبر، أعلن الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون إرسال وحدات من الجيش إلى النيجر، بناءً على طلب سلطاتها، لحماية مصالح الطاقة والاقتصاد المشتركة. سبق الإعلان تصويت غرفتي البرلمان بالموافقة، في خطوة تمنح التعاون الأمني بين البلدين بعداً عسكرياً أوضح. غير أن البيان الرسمي لم يحدد أي خصم، ولم يعلن مهمة قتالية خارج النيجر. للقرار مصالح ملموسة تحميها الجزائر: استثمارات سوناطراك في منطقة كفرا النفطية، ومشروع أنبوب الغاز العابر للصحراء، الذي يُفترض أن يصل نيجيريا بالجزائر مروراً بالنيجر. لكن حماية الاقتصاد في منطقة تتداخل فيها الجماعات المسلحة ومسارات التهريب تضع الجنود الجزائريين أمام حسابات أوسع من تأمين الآبار والأنابيب. هنا تبرز قاعدة ماداما النيجيرية، القريبة من الحدود الليبية، بوصفها موقعاً محتملاً للانتشار، وفق تغطيات إعلامية، مع غياب إعلان رسمي يحسم مواقع تمركز القوات الجزائرية. وإذا تحقق هذا الاحتمال، فقد تحصل الجزائر على موقع متقدم لمراقبة حركة السلاح والمقاتلين بين دول الساحل وليبيا، بالقرب من مجال يتحرك فيه معسكر حفتر ويعمل على تثبيت نفوذه. تكمن حساسية الخطوة في أثرها المحتمل على التوازنات، حتى لو بقيت مهمتها المعلنة دفاعية. فقوة جديدة قرب الممرات الحدودية تستطيع تغيير حسابات العبور والإمداد، دون أن تطلق رصاصة واحدة. حفتر والإمارات وحسابات الجنوب الجنوب الليبي ليس هامشاً صحراوياً في مشروع حفتر. فالإمساك بطرقه وقواعده ومعابره يتيح التأثير في حركة التجارة والتهريب والاتصالات مع دول الجوار. وقد وثّق خبراء الأمم المتحدة تحركات أمر بها صدام حفتر في الجنوب الغربي خلال عام 2024، وربطوها بضبط المنطقة الحدودية مع النيجر وإعادة تنظيم نقاط التفتيش وتأمين الإيرادات على مسارات الاتجار. وفي نيسان/ أبريل 2026، كشف تحقيق لرويترز صوراً لمسيّرات جديدة في قاعدة الخادم الجوية، المعروفة أيضاً باسم قاعدة الخروبة، وهي قاعدة عسكرية استراتيجية تقع في شرق ليبيا، رجّح خبراء أنها صينية وتركية، دون حسم هوية مورديها ومشغليها. وتؤشر هذه المعطيات إلى تعزيز القدرات الجوية لحفتر. أين ينتهي الردع وتبدأ المواجهة؟ قد يتصل التحرك الجزائري بالتنافس مع الإمارات القريبة من معسكر حفتر، وبأهمية ممر سلفادور الحدودي، وهو ممر صحراوي وجبلي استراتيجي يقع عند المثلث الحدودي المشترك بين النيجر والجزائر وليبيا. وعليه، قد تكون الرهانات الجزائرية تتجاوز حماية الاستثمارات، وأن تزاحم النفوذ يمكن أن يولّد توترات كبيرة. قد يفتح الصدام المباشر، في حال وقوعه، أمام الجزائر التزاماً عسكرياً يصعب ضبط مداه، وقد يعرّض المصالح التي تسعى لحمايتها لمخاطر إضافية. أما حفتر، فقد يجد نفسه مضطراً إلى توزيع قواته وإمكاناته بين تثبيت نفوذه داخل ليبيا ومواجهة جيش دولة مجاورة. هذه الأعباء لا تستبعد التصعيد، لكنها تمنح الطرفين أسباباً لتفضيل الردع على اختبار القوة. الخطر الأقرب قد يأتي من سوء الحسابات: انتشار جزائري دفاعي يُقرأ تطويقاً، أو تعزيزات لحفتر تُفهم تهديداً، أو اشتباك محلي تتسع دائرة المتورطين فيه. وهنا تصبح مواقع القوات وقواعد اشتباكها وقنوات التنسيق أهم من التصريحات الصاخبة. فالطرفان يقتربان من مساحة مصالح أكثر ازدحاماً، لكن الانتقال من التنافس إلى القتال يظل قراراً مكلفاً، لا نتيجة تفرضها الجغرافيا وحدها.