سفير لبنان السابق لدى الفاتيكان ليس لبنان جزيرة معزولة عن محيطه، ولا يستطيع أن يتعامل مع التحولات الإقليمية وكأنها أحداث تجري في عالم آخر. فعندما تتكلم الرياض مع طهران، وعندما تتحرك واشنطن في اتجاه إعادة رسم التوازنات في المنطقة، يصبح من الضروري أن يصغي لبنان جيداً، وأن يقرأ ما يجري بعين الدولة التي تبحث عن مصالحها، لا بعين المحاور التي تنتظر التعليمات. إن أي تقارب سعودي–إيراني، أو حوار بين العاصمتين، لا يجوز أن يُقرأ في بيروت باعتباره اتفاقاً يضمن تلقائياً استقرار لبنان، أو يحسم مصير أزمته. فالتفاهمات الإقليمية قد تخفف التوتر، لكنها لا تعفي اللبنانيين من مسؤولية معالجة أزمتهم السيادية والمؤسساتية. كما أن لبنان لا ينبغي أن يكون مجرد ورقة على طاولة المفاوضات، بل طرفاً معنياً بمستقبله وصاحب قرار في شؤونه. أولاً: واشنطن ليست تفصيلاً يمكن تجاوزه في هذا السياق، تبرز أهمية الموقف الأميركي الذي لا يجوز للبنان أن يتعامل معه بخفة أو أن يختزله في مجرد ضغوط سياسية. فالولايات المتحدة ليست مراقباً بعيداً عن الأزمة اللبنانية؛ إنها طرف أساسي في المسار الدبلوماسي الجاري، وفي دعم الجيش اللبناني، وفي الاتصالات المتعلقة بالحدود الجنوبية ومستقبل الاستقرار. وقد جاء اجتماع وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو مع رئيس الحكومة نواف سلام في 28 أيلول 2026 ليؤكد استمرار الدعم الأميركي للحكومة اللبنانية ولمسار استعادة سلطة الدولة. كما أن واشنطن تربط بصورة واضحة بين إعادة الإعمار وترتيبات الأمن وبسط سلطة الدولة على كامل أراضيها. قد يختلف اللبنانيون مع بعض المقاربات الأميركية، وقد تكون لهم تحفظات مشروعة على أولويات واشنطن أو على طريقة إدارتها للملف اللبناني، لكن تجاهل الموقف الأميركي أو التقليل من تأثيره ليس سياسة واقعية. المطلوب هو فهمه، والتفاوض معه، ومحاولة توظيفه بما يخدم المصالح اللبنانية. ثانياً: لا يجوز أن يكون لبنان رهينة التفاهمات الإقليمية إن زيارة مسؤولين سعوديين وأتراك وباكستانيين إلى طهران في 26 تشرين الأول، في سياق البحث في أمن المنطقة والجهود الرامية إلى تجنب مواجهة أميركية–إيرانية جديدة، تؤكد أن المنطقة تدخل مرحلة اتصالات ومساومات معقدة. لكن السؤال الذي ينبغي أن يطرحه اللبنانيون هو: أين موقع لبنان في هذه الحسابات؟ هل سيكون حاضراً بصفته دولة ذات سيادة، أم سيبقى ملفاً قابلاً للتداول بين العواصم؟ وهل يمكن أن تُعقد تفاهمات إقليمية على حساب استقرار لبنان، أو أن تُستخدم ساحته مجدداً لتبادل الرسائل والضغوط؟ لقد دفع لبنان ثمناً باهظاً نتيجة ارتباط قراراته المصيرية بصراعات تتجاوز حدوده. ومن هنا، فإن المصلحة الوطنية تقتضي ألا يكون لبنان تابعاً للرياض، ولا رهينة لطهران، ولا مجرد ساحة لتنفيذ حسابات واشنطن أو غيرها. ثالثاً: بين الرياض وواشنطن، الأولوية لبيروت لا تعارض بين أن يحافظ لبنان على أفضل العلاقات مع المملكة العربية السعودية، وأن يطوّر شراكته مع الولايات المتحدة. فلكل من الدولتين دور ومصالح ونفوذ في المنطقة، ويمكن للبنان أن يستفيد من علاقاته بهما إذا امتلك رؤية موحدة ومؤسسات قادرة على التفاوض باسمه. السعودية تمثل عمقاً عربياً أساسياً للبنان، وواشنطن تملك أدوات سياسية ودبلوماسية وعسكرية واقتصادية مؤثرة في مسار الأزمة. لكن هذه العلاقات لا ينبغي أن تتحول إلى مفاضلة بين محورين، بل إلى شبكة علاقات تخدم مشروع الدولة اللبنانية. والمطلوب من بيروت ألا تنتظر ما ستقرره العواصم الأخرى، بل أن تبادر إلى طرح رؤيتها: سيادة كاملة، جيش واحد، قرار واحد في الحرب والسلم، انسحاب إسرائيلي كامل من الأراضي اللبنانية، وعودة النازحين والمهجرين إلى قراهم، وإعادة إعمار المناطق المتضررة. هذه ليست مطالب أميركية أو سعودية، بل حقوق ومصالح لبنانية أصيلة. رابعاً: أخذ أميركا على محمل الجد لا يعني التنازل عن القرار الوطني ثمة فارق كبير بين التعامل الواقعي مع الولايات المتحدة وبين التسليم غير المشروط بمواقفها. أخذ واشنطن على محمل الجد لا يعني منحها حق تقرير مستقبل لبنان، بل يعني إدراك حجم تأثيرها، وفهم أولوياتها، والتفاوض معها من موقع المصلحة الوطنية. فإذا كانت واشنطن مستعدة لدعم الجيش اللبناني، ومساندة مؤسسات الدولة، والمساهمة في تأمين شروط الاستقرار وإعادة الإعمار، فمن واجب الدولة أن تتعامل مع هذه الفرصة بجدية، وأن تطالب في المقابل بضمانات واضحة تحمي السيادة اللبنانية، وتُلزم إسرائيل باحترام الحدود والانسحاب الكامل ووقف الاعتداءات. ولا يمكن أن تكون السيادة اللبنانية انتقائية: لا تقبل بوجود قرار عسكري خارج الدولة، ولا تقبل أيضاً باستباحة إسرائيل للأرض اللبنانية. *الخلاصة عندما تتكلم الرياض مع طهران، ينبغي للبنان أن يُصغي، لا لكي ينتظر مصيره من الآخرين، بل لكي يفهم اتجاه الرياح الإقلي