رصاصة واحدة كفيلة أن تكون محاولة لمحو ذاكرة مجتمع. فالصحافي الذي يقترب من فساد محمي أو سلطة تستند إلى العنف، يصبح وجوده تهديداً لمن يريد احتكار الرواية. اغتياله يُسكت صوتاً، لكنه يوجّه رسالة إلى كل من يفكر في الاقتراب من الحقيقة: هنا تبدأ حدود الخوف. لذا اكتسب الثاني من تشرين الثاني/نوفمبر دلالته الدولية. ففي هذا اليوم من عام 2013، قُتل صحافيا إذاعة "فرنسا الدولية"، غيسلين دوبون وكلود فيرلون، في مدينة "كيدال" شمال مالي، أثناء أداء مهامهما. وبعد أسابيع، اعتمدت الجمعية العامة للأمم المتحدة القرار 68/163، معلنةً هذا التاريخ يوماً دولياً لإنهاء الإفلات من العقاب على الجرائم المرتكبة ضد الصحافيين. كان القرار اعترافاً بأن الجريمة تتجاوز الضحية، وأن غياب المحاسبة يفتح الطريق أمام تكرارها؛ فالصحافة هي إحدى الطرق التي يرى بها المجتمع نفسه. إن المواطن الذي يُحرَم المعرفة يفقد القدرة على الاختيار والمساءلة، وكل حقيقة تُحجب تترك مساحة أوسع للسلطة كي تعمل خارج الرقابة. لذلك، يصبح قتل الصحافي اعتداءً على حق المجتمع في المعرفة، فيما يتحول الإفلات من العقاب إلى خلل في العدالة وتهديد مباشر للديموقراطية. اعتداء على حق المجتمع في المعرفة: أرقام تكشف كلفة الصمت لا تقتصر جريمة استهداف الصحافي على إسكات صوت إعلامي أو تغييب شاهد عن حدث فحسب، إنما تمتد تداعياتها إلى حق المجتمع بأكمله في المعرفة والحقيقة والمساءلة. وفي هذه الذكرى، تسلّط الأمم المتحدة الضوء على خطورة الظاهرة، بحيث يتخطى أثرها سقوط الضحايا إلى تهديد ركائز المجتمعات الديموقراطية وتقويض حرية تداول المعلومات. وفقاً لمنظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة - اليونسكو، لا تزال الغالبية الساحقة من جرائم قتل الصحافيين من دون عقاب؛ إذ تشير بياناتها إلى أن 162 صحافياً قتلوا أثناء تأدية مهامهم بين 2023 و2024، وأن نحو 85% من الجرائم التي حصلت بحق الصحافيين منذ عام 2006 وأودت بحياة 1700 صحافي لم تُحلّ قضائياً. في السياق نفسه، قُتل67 صحافياً حول العالم عام 2025، وفقاً لإحصاءات منظمة "مراسلون بلا حدود"، وتصدّر قطاع غزة قائمة المناطق الأكثر دموية مسجّلاً نحو 43% من إجمالي القتلى عالمياً، جراء نار الجيش الإسرائيلي. ولا تعكس هذه النسبة مجرد إخفاق في إنفاذ القانون، وإنما تكشف عن بيئة تسمح بتكرار الاعتداءات، وتشجّع مرتكبيها على الإفلات من المحاسبة. وتزداد خطورة الظاهرة في مناطق النزاعات المسلحة، حيث يتحوّل الصحافي من ناقل للوقائع إلى هدف محتمل بسبب ما يوثّقه من انتهاكات وجرائم. ولا تتوقف النتائج عند حدود الخطر الذي يهدد حياة الإعلاميين؛ فاغتيال الصحافي أو ترهيبه يخلقان مناخاً من الرقابة الذاتية والخوف، ويدفعان المؤسسات الإعلامية إلى تجنّب الملفات الحساسة، ويحْرُمان المواطنين معلومات أساسية تتصل بحقوقهم وأمنهم ومستقبلهم. من هنا، أطلقت الأمم المتحدة خطة العمل بشأن سلامة الصحافيين ومسألة الإفلات من العقاب، بوصفها إطاراً دولياً يجمع بين الوقاية والحماية والملاحقة القضائية، وبهدف تعزيز بيئة آمنة وحرة للعمل الصحافي، خصوصاً في البلدان التي تشهد نزاعات أو اضطرابات. وتقوم الخطة على تنسيق الجهود بين وكالات الأمم المتحدة والحكومات، من خلال تطوير التشريعات، وتعزيز آليات الإنذار المبكر والاستجابة السريعة، إلى جانب توفير الحماية للصحافيين، وضمان إجراء تحقيقات مستقلة وفعّالة في الجرائم المرتكبة بحقهم. فالعدالة في هذه القضايا ليست امتيازاً مهنياً للصحافيين، وإنما ضمانة لحق الجمهور في الوصول إلى الحقيقة، ورسالة واضحة بأن الاعتداء على حرية الإعلام لن يتحوّل إلى جريمة بلا ثمن. حماية الصحافيين بين الالتزامات الدولية وضمانات القانون اللبناني تستند حماية الصحافيين إلى منظومة متكاملة من القواعد الدولية التي تُلزم الدول احترام سلامتهم الجسدية وحرية عملهم، وملاحقة المسؤولين عن الاعتداء عليهم.وفي مقدم هذه المرجعيات، الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، ولا سيما منه المادتين 3 و19 المتعلقتين بالحق في الحياة وحرية الرأي والتعبير، بالإضافة إلى العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، الذي انضم إليه لبنان عام 1972، والذي يحظر التعذيب والمعاملة القاسية أثناء القيام بمهام سلميّة . أما في النزاعات المسلحة، فيكتسب الصحافيون حماية خاصة بموجب المادة 79 من البروتوكول الإضافي الأول لاتفاقات جنيف - 1977، التي تعتبر الصحافيين العاملين في مناطق النزاع مدنيين، وتوجب حمايتهم ما داموا لا يشاركون مباشرة في الأعمال العدائية. كذلك، تشكّل قرارات مجلس الأمن 1738لعام 2006 و2222 لعام 2015 مرجعيْن أساسيْين في إدانة الاعتداءات على الصحافيين والمطالبة بمحاسبة مرتكبيها. وعلى المستوى اللبناني، يكفل الدستور في المادة13 حرية إبداء الرأي قولاً وكتابة