في خطوة تستهدف الحد من استنزاف إيرادات الدولة وحماية المؤسسات الملتزمة من المنافسة غير المشروعة، تكثّف وزارة المالية إجراءاتها لملاحقة التهرّب الضريبي وإلزام الشركات والمؤسسات بتسديد المستحقات المتوجبة عليها. وفي هذا السياق، أحالت الوزارة ملفات 107 شركات ومؤسسات غير ملتزمة إلى النيابة العامة المالية، بعد إنذارها ومطالبتها بالتسديد ضمن المهل المحددة، فيما تعمل على تطوير آليات الرقابة وتوسيع الخدمات الإلكترونية للحد من الاقتصاد غير الشرعي وتعزيز الالتزام الضريبي. وفي حديث إلى صحيفة "الديار"، أكد وزير المالية ياسين جابر أن الوزارة اتخذت إجراءات جدية بحق المؤسسات الممتنعة عن تسديد مستحقاتها، مشدداً على أن الالتزام الضريبي واجب قانوني على الجميع من دون استثناء، وأن الرسالة واضحة: "لا أحد فوق القانون، ولا تمييز بين مكلّف وآخر". وأوضح جابر ضرورة التمييز بين نوعين من المخالفات الضريبية، الأول هو التخلف عن تسديد الضريبة على الأرباح، وهي الضريبة المترتبة على المؤسسة نتيجة أعمالها، والثاني، وهو الأخطر، عدم توريد الضريبة على القيمة المضافة. ولفت إلى أن الضريبة على القيمة المضافة ليست إيراداً للمؤسسة أو جزءاً من أموالها، بل هي أمانة تستوفيها من المستهلك لمصلحة الخزينة، وبالتالي فإن عدم تحويلها إلى الدولة يعني الاحتفاظ بأموال جُمعت أساساً لحسابها. وشدد جابر على أن هدف الوزارة ليس ملاحقة المؤسسات بحد ذاتها، بل تحصيل حقوق الدولة، موضحاً أن الإحالة إلى القضاء تمثل "آخر الدواء لا أوّله". وفي موازاة الإجراءات القضائية، أصدرت الوزارة قرارات لتسوية الغرامات الضريبية وتخفيضها، بما يتيح للمؤسسات تسوية أوضاعها وفقاً للقانون، مع التمييز بين من يواجه صعوبات فعلية ومن يتعمد التهرّب. وفي ما يتعلق بحجم الأموال المتوجبة وانعكاس هذه الإجراءات على إيرادات الخزينة، أكد جابر أن الوزارة لن تعلن أي أرقام قبل أن تصبح نهائية، مشيراً إلى أن المبالغ تُحدّد بدقة بعد استكمال التدقيق والإجراءات القضائية، لأن إعلان تقديرات غير نهائية قد يظلم بعض الشركات أو يرفع التوقعات بصورة غير واقعية. وأكد أن الملفات المحالة تتعلق بمبالغ مستحقة فعلياً، وأن كل ليرة تُحصّل منها تعود إلى المواطنين، إلا أن الأثر الأهم لا يقتصر على الأموال المستردة، بل يتمثل في الرسالة التي تصل إلى السوق، ومفادها أن عدم الالتزام له كلفة، ما يشجع المؤسسات على التسديد الطوعي، الذي يشكل المصدر الحقيقي والمستدام لإيرادات الخزينة. وعن انعكاس هذه الإجراءات على الشركات الملتزمة، اعتبر جابر أن المؤسسات التي تسدد ضرائبها تدفع ثمن التهرّب مرتين: مرة من خلال الضرائب التي تؤديها، ومرة بسبب المنافسة غير العادلة مع مؤسسات تستطيع تقديم أسعار أقل لأنها لا تسدد مستحقاتها للدولة. وأضاف أن كل ليرة تستعيدها الدولة من المتهرّبين هي ليرة لا تضطر إلى طلبها من المؤسسات الملتزمة عبر فرض ضرائب جديدة. وفي سياق الحديث عن حجم الاقتصاد غير الشرعي وغير المنظم في لبنان، أشار جابر إلى أنه يشكل تحدياً أساسياً، ليس فقط بسبب حرمان الخزينة من الإيرادات المستحقة، بل أيضاً لأنه يحرم العاملين فيه من الحماية الاجتماعية، ويحدّ من فرص نمو المؤسسات التي تعمل خارج السجلات الرسمية، إذ لا تستطيع هذه المؤسسات بسهولة الحصول على التمويل أو التوسع أو التصدير. ولفت إلى أن تقديرات دولية تشير إلى أن اقتصاد الظل كان يوازي نحو ثلث الناتج المحلي الإجمالي في لبنان قبل الأزمة، مرجحاً أن يكون قد توسع منذ عام 2019، مع الانتقال الواسع إلى التعامل النقدي. وأوضح أن الوزارة لا تتعامل مع الاقتصاد غير المنظم بمنطق العقاب وحده، لأن بعض المؤسسات غير المسجلة لا تتعمد التهرّب بالضرورة، بل ترى أن كلفة الدخول إلى الاقتصاد المنظم تفوق الفائدة التي يمكن أن تحققها. ومن هنا، تتمثل المهمة في جعل التسجيل أسهل وأقل كلفة، بحيث يصبح البقاء خارج النظام الخيار الأكثر كلفة. وكشف جابر أن الوزارة تعمل على مسارين متكاملين لتوسيع قاعدة المكلفين وملاحقة المتهرّبين والتصدي للأنشطة الاقتصادية غير المشروعة. ويقوم المسار الأول على تسهيل الالتزام الطوعي من خلال تبسيط الإجراءات، وتوسيع الخدمات والتصاريح الإلكترونية، وتنقية السجل الضريبي من الشركات الوهمية وغير الناشطة، إلى جانب العمل على اعتماد الفوترة الإلكترونية التي ستتيح توثيق عمليات البيع تلقائياً، بما يجعل التهرّب أكثر صعوبة والالتزام أسهل. أما المسار الثاني، فيعتمد على الرقابة الذكية بدلاً من التدقيق العشوائي، من خلال تحليل المخاطر ومقاطعة البيانات، ومقارنة التصاريح التي يقدمها المكلفون للإدارة الضريبية بالمعلومات الواردة من الجمارك والسجل العقاري ومصادر أخرى. وأشار إلى أن الوزارة تعمل أيضاً على إعادة تفعيل التبادل التلقائي للمعل