إذا أرادت الدولة أن تساعد الشيعة الأحرار، فلتفتح أمامهم أبواب المسؤولية. ماذا لو أسندت إدارة ملف المساعدات إلى شخصية شيعية مستقلة تتمتع بالكفاءة والنزاهة؟ ماذا لو عيّنت محافظاً للنبطية من خارج الأسماء التي يوافق عليها نبيه بري وحزب الله؟ ماذا لو اختارت وزيراً شيعياً مستقلاً، وفق الأصول، من دون انتظار مباركتهما؟ لقد تعبنا من سؤال: أين الشيعة الأحرار؟ نحن هنا. لكن أين الدولة حين يتعلق الأمر بالشراكة والتعيينات والحماية؟ لماذا يُطلب منا مواجهة الهيمنة السياسية داخل مجتمعنا، فيما تستمر المؤسسات في مراعاتها عند كل استحقاق؟ وكيف نقنع المواطن بأن مستقبله مع الدولة، إذا كانت الدولة نفسها تحيله إلى الزعيم للحصول على وظيفة أو خدمة أو فرصة؟ لنأخذ ملف المساعدات. إسناد إدارته إلى شخصية مستقلة مؤهلة، ضمن مؤسسة واضحة الصلاحيات والرقابة، يمكن أن يشكل بداية جدية لاستعادة ثقة الناس. يتقدم المواطن بطلبه، يعرف المعايير، يتابع معاملته، ويحصل على حقه أو يعترض على رفضه. لا يحتاج إلى اتصال حزبي، ولا إلى إثبات ولاء، ولا إلى صورة مع مسؤول. وعلى من يتولى الملف أن يخدم الجميع، بمن فيهم أنصار أمل وحزب الله. فالاستقلالية تظهر في عدالة المعاملة، وشفافية التوزيع، والقدرة على رفض التدخل. المساعدات أموال مخصصة لحاجات الناس، ومن واجب الدولة أن تمنع تحويلها إلى وسيلة نفوذ أو مكافأة سياسية. وحين تصل المساعدة عبر المؤسسة، يتغير شيء أساسي في علاقة المواطن بالدولة. يصبح قادراً على المطالبة والمحاسبة. أما حين تصل عبر الوسيط، فيُطلب منه أن يشكر ويصمت. هنا تبدأ استعادة الحقوق: حين يعرف المحتاج أن حقه لا يسقط بسبب رأيه، وأن كرامته ليست جزءاً من ثمن المساعدة. وماذا لو عُيّن محافظ مستقل للنبطية؟ لماذا يبدو هذا الاحتمال استثنائياً؟ النبطية جزء من الجمهورية، وإدارتها مسؤولية عامة. ومن حق أي صاحب كفاءة أن يُنظر في أهليته للموقع من دون اشتراط تزكية حزبية. المطلوب محافظ يعمل ضمن صلاحياته، يخدم المنطقة كلها، ويحترم القانون، ويستطيع اتخاذ القرار من دون مراجعة مرجعية سياسية في كل تفصيل. لا نريد محافظاً يخوض معركة حزبية من مكتبه. نريده مسؤولاً يستطيع القيام بواجبه، ويعرف المواطنون أن بابه مفتوح لهم بالتساوي. وتعيينه بهذه المواصفات سيبعث برسالة واضحة: الدولة قادرة على اختيار موظفيها، والشيعي المستقل قادر على تحمل المسؤولية، والانتماء إلى المنطقة لا يفرض الانتماء إلى الجهة المهيمنة فيها. والأمر نفسه ينطبق على الحكومة. ماذا لو اختير وزير شيعي مستقل من دون انتظار موافقة نبيه بري أو حزب الله؟ هل يفقد الوزير شيعيته لأنه لم يأتِ بتسميتهما؟ وهل تصبح مشاركة الشيعة ناقصة إذا شارك شخص لا ينتمي إلى أحد الحزبين؟ الوزراء الحزبيون يمثلون أحزابهم وخياراتها السياسية. ولهم حق المشاركة وفق القواعد المعتمدة، لكنهم لا يملكون حصرية التعبير عن طائفة كاملة. ومن حق الشيعة المختلفين معهم أن يشاركوا أيضاً، وأن يصلوا إلى مواقع القرار، وأن يُحاسَبوا على أدائهم. المشكلة تبدأ حين تتبنى الدولة منطق الاحتكار، وتتصرف كأن كل اسم شيعي يحتاج إلى موافقة مسبقة من الثنائي. عندها تساهم بنفسها في إغلاق المجال السياسي، ثم تستغرب ضعف البدائل. البدائل تحتاج إلى فرصة للعمل وإثبات القدرة، وإلى مؤسسات تتيح المنافسة وتحميها. وبالوضوح نفسه، معارضة الثنائي ليست مؤهلاً كافياً لتولي منصب. لا نطالب بتعيين أي شخص لمجرد أنه يرفع صوته ضد بري أو حزب الله. نطالب بمعايير جدية: الكفاءة، والنزاهة، والخبرة، والاستقلال في القرار. من تتوافر فيه هذه الشروط يجب أن تكون فرصته قائمة، سواء امتلك تزكية حزبية أم لم يمتلكها. لكن تعيين المستقلين ثم تركهم أمام التعطيل والضغط سيحوّل الخطوة إلى واجهة فارغة. على الدولة أن تساند من تختارهم في ممارسة صلاحياتهم، وأن تحاسبهم حين يخطئون، وأن تحميهم حين يطبقون القانون. لا يجوز أن تختار مسؤولاً مستقلاً ثم تطلب منه استرضاء أصحاب النفوذ كي يُسمح له بالعمل. نحن لا نطلب من الدولة أن تصنع لنا زعامة، ولا أن تجمعنا في حزب، ولا أن تمنحنا حصة مقابل مواقفنا. نطلب أن تفتح المؤسسات أمام مواطنيها، وأن تتوقف عن اعتبار استقلال الشيعي عقبة أمام تعيينه. سلّموا مسؤولية المساعدات إلى من يديرها بعدالة. عيّنوا محافظاً مستقلاً للنبطية إذا توافرت فيه المؤهلات. اختاروا وزيراً شيعياً كفوءاً من خارج التسمية الحزبية. واتخذوا هذه القرارات وفق الأصول، وتحملوا مسؤوليتها. لا تطلبوا منا إقناع الناس بأن الدولة تحررهم من الوصاية، فيما تنتظر الدولة نفسها إذن الأوصياء.