يقف لبنان عند منعطف بالغ الحساسية والخطورة، مع تصاعد الضربات الإسرائيلية على الجنوب، واتساع دائرة التهديدات التي لم تعد تقتصر على الغارات الجوية والعمليات العسكرية، بل وصلت إلى حدّ التلويح بفرض حصار بحري على مرفأي بيروت وطرابلس. وهو سيناريو يثير مخاوف من انتقال المواجهة إلى مرحلة أكثر خطورة، لا تقتصر تداعياتها على الميدان العسكري، بل قد تطال الأمن الغذائي والاقتصادي وتهدّد أحد أبرز شرايين الحياة في بلد أنهكته الأزمات والحروب، ولم يعد قادرًا على تحمّل مزيد من الأزمات. تأتي هذه المخاوف على وقع ما نشرته صحيفة "معاريف" الإسرائيلية عن سيناريوات عسكرية يدرسها الجيش الإسرائيلي، تشمل تنفيذ قصف تمهيدي مكثّف وضربات في العمق اللبناني، واستهداف الضاحية الجنوبية لبيروت، إلى جانب التحضير لفرض حصار بحري على الموانئ اللبنانية، وتحديدًا مرفأي بيروت وطرابلس، فضلًا عن خطط للسيطرة على مدن صور وصيدا والنبطية، في حال قرر "حزب الله" الدخول في المواجهة. تطرح هذه المعطيات تساؤلات جدية حول مدى قدرة إسرائيل على تنفيذ هذا التهديد، وما إذا كان الحصار البحري خيارًا عسكريًا مطروحًا بالفعل، أم ورقة ضغط لردع "حزب الله" عن الانخراط في مواجهة جديدة، فضلًا عن حجم التداعيات التي قد تترتب على لبنان إذا تحوّل التهديد الإسرائيلي إلى واقع. في قراءة عسكرية لهذه التطورات، يؤكد الخبير العسكري العميد المتقاعد جورج نادر أن "إسرائيل تمتلك القدرة الكاملة على فرض حصار بحري شامل على لبنان"، مشددًا على أنه لا مجال للمقارنة بين الإمكانات التي تتمتع بها البحرية الإسرائيلية وتلك المتوافرة لدى البحرية اللبنانية. ويوضح نادر في حديث لـ "ليبانون ديبايت" أن البحرية الإسرائيلية تستطيع فرض حصار "بكل معنى الكلمة"، في ظل التفوق الكبير في قدراتها العسكرية، مشيرًا إلى أن الانسحاب المرتقب للقوة البحرية التابعة لليونيفيل سيزيد من حساسية الوضع البحري اللبناني. يأتي هذا التحذير مع اقتراب انتهاء ولاية اليونيفيل في 31 كانون الأول 2026، بموجب قرار مجلس الأمن الدولي رقم 2790، على أن تبدأ بعدها عملية انسحاب تدريجية ومنظمة. ورغم أن القوة البحرية الدولية تساهم في مراقبة المياه الإقليمية اللبنانية ودعم البحرية اللبنانية، فإن صلاحياتها لا تشمل خوض مواجهة عسكرية مع إسرائيل لمنع فرض حصار على الموانئ. ويشير نادر إلى أن "إسرائيل قادرة عسكريًا على منع السفن من الوصول إلى الموانئ اللبنانية، سواء كانت محمّلة بالمشتقات النفطية أو المواد الغذائية أو مختلف أنواع السلع والبضائع، ما يعني عمليًا قطع أحد أهم شرايين الإمداد التي يعتمد عليها لبنان"، محذّرًا من أن فرض حصار بحري سيؤدي إلى "اختناق لبنان اقتصاديًا واجتماعيًا"، متسائلًا عن كيفية تأمين النفط والمواد الغذائية وسائر الاحتياجات الأساسية في حال إغلاق الممرات البحرية. وإذا كان استيراد بعض البضائع يتمّ جوًّا أو برًّا من بعض الدول العربية، فإنّ القسم الأكبر من الواردات، كما قال نادر، يعتمد على النقل البحري، الذي يشكّل الوسيلة الأساسية لتأمين احتياجات السوق اللبنانية، ما يجعل "أي تعطيل لحركة الملاحة عاملًا بالغ الخطورة على الاستقرار الداخلي". لا يتردد نادر في وصف التداعيات المحتملة بأنها كارثية، معتبرًا أن "الحصار البحري سيُركّع لبنان كله"، وسيؤدي إلى أزمة كبيرة يصعب إيجاد حلول لها، وسط ضغوط شعبية وسياسية هائلة على الدولة وحزب الله، محذرًا من أن الوضع قد ينفجر في الداخل نتيجة الاختناق الاقتصادي والاجتماعي. أما بشأن احتمال تزامن الحصار مع عملية عسكرية إسرائيلية واسعة، فيوضح نادر أنه لا يمكن الجزم بطبيعة الخطط الإسرائيلية، إذ قد يترافق الحصار مع ضربة عسكرية وقد يُنفّذ من دونها، مؤكدًا أن أحدًا لا يستطيع معرفة ما يُخطط له الإسرائيليون بدقة. يبدو نادر أكثر تشاؤمًا حيال المسار العسكري العام، إذ يتوقع حصول تصعيد إسرائيلي جديد، قد يشمل توسيع نطاق القصف ليطال مناطق لبنانية لم تتعرض للاستهداف منذ فترة طويلة. ويربط هذا الاحتمال باستمرار أزمة سلاح "حزب الله"، معتبرًا أنه في حال عدم نزع سلاح الحزب، فإن لبنان قد يصل إلى مرحلة من التصعيد "أشد خطورة" مما شهده سابقًا. ويقول بأسف: "علينا أن نتوقع الأسوأ، وأسوأ مما مرّ على لبنان. أقول ذلك وفي نفسي وقلبي حسرة، ولا أتمنى أن يحصل، لكن هذا ما أراه"، مشددًا على أن هذه التوقعات تعبّر عن قراءته الشخصية للمشهد، لا عن معلومات مؤكدة. وعن موعد الضربة الإسرائيلية المحتملة، يؤكد نادر أنه لا أحد يستطيع تحديد توقيتها، لكنه لا يستبعد حصولها بعد الانتخابات الأميركية أو بعد تشكيل الحكومة الإسرائيلية. في مقابل هذه القراءة العسكرية المتشائمة، يضع مصدر سياسي التهديدات الإسرائيلية في إطار الضغط والردع، أكثر من كونها إعلانًا عن قرار نهائي بالح