لم تكن قضية شحنة ضهر البيدر مجرّد ملف أمني انتقل إلى أروقة القضاء، بل تحوّلت، منذ لحظة ضبطها، إلى اختبار سياسي بالغ الحساسية للعلاقة بين الدولة وحزب الله، وإلى صاعق كاد أن يفجّر مواجهة داخلية يصعب تقدير حدودها. ومع تصاعد التوتر، دخلت على الخط جهات دبلوماسية نافذة في بيروت، في محاولة لاحتواء الأزمة قبل انتقالها إلى مرحلة يصعب التحكّم بتداعياتها. للمرة الأولى منذ انتخاب جوزاف عون رئيساً للجمهورية، عادت "الخماسية" (بإستثناء الولايات المتحدة) إلى الظهور، ولكن بوظيفة مختلفة. لم تكن مهمتها البحث في الاستحقاقات الدستورية أو إعادة ترتيب التوازنات السياسية، بل تولّت، عملياً، دور "وحدة نزع ألغام"، للمساعدة في تفكيك أزمة كانت تهدّد الاستقرار الداخلي. استند التحرّك الدبلوماسي إلى معطيات أمنية وصلت إلى الجهات المعنية، وبلغت كذلك مختلف المستويات الرسمية، تفيد بأن حزب الله بات مستعداً للانتقال إلى خطوات داخلية تصعيدية، تتوزّع بين تحرّكات شعبية وإجراءات سياسية وإدارية، وتشمل النزول إلى الشارع، في حال اختارت السلطة رفع مستوى المواجهة معه عبر إحالة ملف ضهر البيدر إلى المجلس العدلي. وفُهم أن الحزب كان يتّجه نحو وضع الجميع أمام خيار سياسي حاسم. وقد أرسل إشارات في هذا الإتجاه. ميدانية عبر تحركات محدودة، وسياسية من خلال رفع وتيرة خطابه التصعيدي وإرسال تهديدات. وفهم بأن الحزب سوف يذهب إلى "زرك" الجميع في خيار سياسي يقوم على قاعدة "معي أو ضدي". وأنه في حال الوصول إلى هذه الحالة التي يصعب إحتواء تداعياتها أو الرجوع عنها، سوف تفرض التحولات والمخاطر على رئيس مجلس النواب نبيه بري، التموضع خلف الحزب، وسوف يأخذ في طريقه الزعيم وليد جنبلاط، وسوف تكون الحكومة في خطر إنهيار السيبة التي تقوم عليها. ومن هنا، تقاطعت النصائح الدبلوماسية عند ضرورة نزع فتيل الانفجار، وعدم دفع البلاد نحو مواجهة داخلية في ظلّ مناخ إقليمي شديد التوتر، والأهم عدم توفير الظروف التي قد تؤدي إلى إسقاط الحكومة. توزّعت جهود الاحتواء على ستة أطراف، أربعة منها تنتمي إلى «الخماسية»، وهي السعودية ومصر وقطر وفرنسا، فيما حضرت إيران بوصفها الطرف الخامس من خارج هذا الإطار، وحضر رئيس الجمهورية بوصفه الطرف السادس. وكانت الحسابات السياسية المرتبطة ببقاء الحكومة حاضرة بقوة في خلفية هذه التحرّكات. ففي حال نجح الحزب في دفع بري وجنبلاط ووزراء سنّة إلى الاعتكاف أو الخروج من الحكومة، فإن ذلك كان سيؤدي، وفق القراءة التي استندت إليها جهود الاحتواء، إلى اختلال موازين القوى داخل مجلس الوزراء لمصلحة رئيس حزب القوات اللبنانية سمير جعجع، الذي سيصبح عملياً المتحكم بمسار الحكومة. وعندها، قد تتحوّل أي مقاطعة من جانب وزراء «القوات» إلى وسيلة لتعطيل النصاب، ويصبح على من يريد عقد جلسة لمجلس الوزراء أن يعود إلى معراب، ويرسل إليها جدول أعمال الجلسة للموافقة عليه، بما يمنح جعجع موقع الشريك الإلزامي في تحديد ما يمكن طرحه على طاولة الحكومة وما لا يمكن طرحه. وبذلك، نشأت مظلّة دبلوماسية وسياسية غير معلنة، التقت عند هدف واحد، وإن اختلفت حسابات المشاركين فيها: منع انفجار الأزمة اللبنانية والحفاظ على التوازنات القائمة داخل السلطة. ضمن هذا المشهد، برز الدور السعودي، وتحديداً دور الأمير يزيد بن فرحان، الذي توافرت لديه، بحسب المعطيات، معلومات جدّية عن احتمال لجوء الحزب إلى تحرّك داخلي يستهدف إسقاط الحكومة، بما يضع السلطة والقوى السياسية أمام مأزق مفتوح. وعلى هذه الخلفية، تواصل بن فرحان مع رئيس مجلس النواب نبيه بري، ناقلاً موقفاً سعودياً لا يحبّذ الانزلاق إلى دورة عنف داخلية، في لحظة إقليمية لا تحتمل المزيد من التصعيد. وفُهم أن الرياض تخشى انهيار الحكم في لبنان من بوابة زعزعة الحكومة، ولا ترغب، في ظلّ انشغالها بالملف اليمني وملفات المنطقة، في فتح ملف لبناني متفجّر، أو الدخول في مسار قد يؤدي إلى تراجع نفوذها لمصلحة أطراف إقليمية أخرى. كما فُهم أن بن فرحان تمنّى على بري العمل على إيجاد مخرج يحفظ الاستقرار، على أن يبقى تحت سقف القضاء اللبناني، فلا يظهر بوصفه تسوية سياسية تُسقط مبدأ المحاسبة، ولا يتحوّل في المقابل إلى إجراء قضائي يُستخدم لفتح مواجهة مع الحزب. هنا، دخل بري على خط إنتاج التسوية، مستفيداً من موقعه وعلاقاته وقدرته على التواصل مع الأطراف المعنية. وبحسب المصادر، انطلق رئيس المجلس من معادلة تقوم على التوفيق بين ضرورات المرحلة: حفظ صورة الدولة أمام الخارج، وصون التزاماتها وقراراتها، وعدم تجاوز المعيار الذي وضعه وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو في اتصاله مع الرئيس عون، والقائم على محاسبة المسؤولين عن شحنة ضهر البيدر. وكان عون قد طلب أخذ هذا المعيار في الاعتبار، لكونه التزم أمام روبيو بمتابعة ملف ضهر البيدر ومحاسبة