ماذا لو استيقظ لبنان على قرار إسرائيلي بفرض حصار بحري على مرفأي بيروت وطرابلس؟ وكيف يمكن لبلد يعتمد بصورة واسعة على الاستيراد أن يؤمّن حاجاته الأساسية إذا تعطلت حركة السفن وتوقفت سلاسل الإمداد؟ لم يعد السؤال مجرد فرضية بعيدة عن النقاش الأمني، بعدما نقلت تقارير صحافية لبنانية عن الإعلام الإسرائيلي سيناريوهات عسكرية تشمل احتمال فرض حصار على المرافئ اللبنانية، في حال توسعت المواجهة مع إيران وشارك "حزب الله" فيها. ورغم عدم وجود تأكيد على اتخاذ إسرائيل قراراً بتنفيذ مثل هذا الحصار، فإن مجرد طرح السيناريو يعيد إلى الواجهة ملفاً بالغ الحساسية: مدى استعداد لبنان لمواجهة تعطّل خطوط الإمداد البحرية في مرحلة إقليمية شديدة الاضطراب. فمرفأ بيروت ليس مجرد نقطة لدخول السفن، بل شريان أساسي لتوريد المواد الغذائية والسلع الاستهلاكية والمواد الأولية اللازمة للصناعة والتجارة. أما مرفأ طرابلس، فيمثل منفذاً بحرياً إضافياً، ويمكن أن يؤدي دوراً مهماً في توزيع حركة الشحن بين المناطق اللبنانية. لكن ماذا يحدث إذا تعرض المرفآن معاً لقيود عسكرية أو ملاحية؟ أول التداعيات المحتملة يتعلق بالمواد الأساسية، بدءاً من القمح والحبوب والمواد الغذائية، وصولاً إلى المحروقات والأدوية والمواد الطبية. ولا يشترط أن تُمنع جميع السفن من الوصول حتى تبدأ الأزمة. فقد تؤدي التهديدات الأمنية وحدها إلى زيادة كلفة التأمين البحري، أو تعديل مسارات السفن، أو تأخير الشحنات، أو امتناع بعض شركات النقل عن قبول الحجوزات إلى لبنان. وفي بلد يعاني أصلاً اختلالات اقتصادية ومالية، يمكن أن تتحول هذه التكاليف الإضافية إلى ضغوط على أسعار السلع، خصوصاً إذا ترافق ارتفاع كلفة النقل مع اضطراب في توافر البضائع أو زيادة الطلب الاحترازي عليها. أما التداعيات الأخطر فتظهر إذا امتد التعطيل إلى المحروقات، نظراً إلى ارتباطها بإنتاج الكهرباء وتشغيل المولدات والمستشفيات ووسائل النقل والقطاعات الصناعية والخدماتية. وفي مثل هذا السيناريو، لا يقتصر التحدي على توافر البضائع داخل المستودعات، بل يشمل القدرة على نقلها بين المناطق، واستمرار عمل المؤسسات الحيوية، وتأمين العملات اللازمة للاستيراد. ومن هنا، تبرز مجموعة أسئلة لا تزال تحتاج إلى إجابات رسمية واضحة. هل توجد لدى الحكومة اللبنانية خطة وطنية معلنة للتعامل مع توقف حركة الشحن البحري؟ وما حجم المخزون المتاح من القمح والمحروقات والأدوية والسلع الأساسية؟ وكم يستطيع هذا المخزون تلبية الاستهلاك الفعلي في حال تعثرت الإمدادات؟ وهل جرى وضع ترتيبات مسبقة لاستخدام المعابر البرية بالتنسيق مع سوريا، أو تحديد طرق بديلة لتأمين السلع الضرورية، إذا كانت الظروف الأمنية والسياسية تسمح بذلك؟ كذلك يطرح احتمال الحصار أسئلة قانونية، إذ لا يشكل الإعلان عن حصار بحري تفويضاً مفتوحاً لمنع وصول الغذاء والدواء إلى المدنيين. وتخضع العمليات البحرية المسلحة لقواعد القانون الدولي الإنساني، بما فيها القيود المرتبطة بحماية السكان المدنيين ومنع تجويعهم. لكن وجود هذه القواعد لا يلغي المخاطر العملية التي قد تترتب على اضطراب حركة الملاحة، ولا يضمن وحده استمرار وصول الشحنات في ظروف الحرب. والأهم أن الحديث عن استعداد لبنان لا يمكن حسمه بتصريحات عامة، بل يتطلب معرفة ما إذا كانت هناك خطط تشغيلية ومخزونات احتياطية واتفاقات نقل بديلة وآليات لتحديد أولويات الاستيراد. فالحرب البحرية، إذا وقعت، لا تستهدف بالضرورة المرافئ وحدها، بل قد تمتد تداعياتها إلى الأسواق والمستشفيات والمصانع والمنازل، وصولاً إلى كل مواطن يعتمد في حياته اليومية على سلعة مستوردة. والسؤال الذي ينبغي أن يُطرح اليوم، قبل وقوع أي حصار، ليس فقط ما الذي قد تفعله إسرائيل، بل ما الذي أعدته الدولة اللبنانية لحماية السكان والاقتصاد إذا أصبحت المرافئ خارج الخدمة. ففي بلد يعاني أصلاً هشاشة مالية وخدماتية، قد تكون كلفة غياب خطة الطوارئ أكبر بكثير من كلفة إعدادها.