كما وُصفت الانتخابات الإسرائيلية بأنها الأولى بعد "السابع من تشرين الأول/أكتوبر 2023"، فإن الانتخابات النصفية 2026 في الولايات المتحدة تُجرى وسط حرب على إيران دخلت شهرها التاسع، وفي خضم نقاش داخل الإدارة الأميركية بين المؤيدين لجهود الوساطة من أجل اتفاق ولو في اللحظة الأخيرة، وبين الدافعين إلى توجيه ضربات ضد إيران بمشاركة إسرائيلية، خصوصاً أن الاستعدادات لاستئناف الحرب تكاملت خلال الأسابيع الأخيرة وباتت القوات الأميركية في انتظار قرار دونالد ترامب. كان واضحاً في استطلاعات الرأي أن نسبةً مهمة من الناخبين ضد مرشحي الحزب الجمهوري متأثرة بتداعيات الحرب (أسعار الوقود وكلفة المعيشة)، إلى جانب رفض متنامٍ لسياسات ترامب، حتى داخل حزبه، خلال عامين من ولايته. أكد الرئيس الأميركي مراراً أن الانتخابات النصفية لا تمسّ صلاحياته ولا تنعكس نتائجها على شعبيته أو قراراته، لكن غالبيةً للحزب الديموقراطي في مجلس النواب (مع افتراض احتفاظ الجمهوريين بمجلس الشيوخ) لن تتيح لترامب مواصلة الحكم بأساليبه السلطوية الملتوية، والمؤكّد أنه سيواجه معارضة تريد أولاً منعه من الإنفاق على الحرب، وثانياً مراجعة القوانين المثيرة للجدل لإلغائها أو تعديلها. من هذه الزاوية تُفهم مماطلة إيران في التفاوض وإطالتها للحرب ومراهنتها على أن انتكاسةً أو هزيمةً لترامب في هذه الانتخابات تشكّل لها نوعاً من "الانتقام"، لكن كلفته عليها بالغة بفعل التدهور الحاد في إيراداتها واقتصادها والحياة المعيشية لمواطنيها. ربما يعتقد قادتها الحاليون أن التسبب بأزمة عالمية سيكون عاملاً رادعاً لأي قوة خارجية قد تستهدفها لاحقاً، أو يعتقدون أن تحدي قوة عظمى كالولايات المتحدة يمنحهم مكسباً استراتيجياً، لكنهم عالقون في حصار بحري قاسٍ وعقوبات مضاعفة، بالإضافة إلى اختراقات أميركية ملموسة لإغلاق مضيق هرمز. والواقع أن خياراتهم لإنهاء الحرب ظلّت معتمدة على قرارات الطرف الآخر، ورغم اتهامهم الدائم للجانب الأميركي بأنه لا يحترم التزاماته، فإن سياسات إيران في أكثر من "أربع عواصم عربية" لا تُعتبر نموذجاً في احترام الالتزامات الواجبة حيال سيادة الدول وشعوبها. قبل أيام من الانتخابات النصفية الاميركية تعدّدت المخارج أمام طهران، إذ إن زيارة وفد دول "حلف مكّة" لم تكن مبادرة عادية وقد تعامل الجانب الإيراني معها بجدّية لكن أيضاً بشروطه "السبعة" وإعادة طرحه "آلية الأمن الإقليمي" بمعزل عن الأطراف الخارجية، إلا أنه أدرك المغزى الحقيقي للزيارة. فالدول الثلاث أرادت إبلاغه قبل فوات الأوان أن الوضع المترجّح بين حرب وتفاوض يشرف على الانتهاء ولم يعد مفيداً الاستمرار بلعبة المماطلة. والأهم أن دول الحلف أكدت دعمها الوساطة القطرية- الباكستانية، وأن أي اتفاق تتوصّل إليه سيحظى بضمان دول عدّة ذُكر لاحقاً أن بينها روسيا والصين، ما أضفى طابعاً حاسماً على المساعي المبذولة. قبل ذلك، كانت القمة الأخيرة بين ترامب وشي جينبينغ خلصت إلى اقناع الجانب الصيني بأن مراقبة الحرب والاكتفاء بجني مكاسب منها قد لا يشكلان سياسة مفيدة، لذا راحت بكين ترسل إشارات تزكية للبحث عن تسوية. ثم أن جو الانفتاح و"صفقة الديزل" بين ترامب وفلاديمير بوتين مهّدا لزيارة سيرغي لافروف لطهران حيث أفصح عن تغيير في موقف موسكو، تحديداً بالنسبة إلى احتمال نقل مخزون اليورانيوم العالي التخصيب إلى روسيا. وهكذا، ففيما ارتسمت معالم "تفاهم" بين الدول الكبرى، وبناءً على رسالة جي دي فانس الى محسن رضائي، بدا المقترح القطري الأخير سالكاً، فانتقل وفد التفاوض الإيراني الى الدوحة التي انتظرت وصول وفد أميركي إليها، وسط حديث عن حصول "اختراقات". ما عُرف عن المقترح القطري يشكل اتفاقاً جزئياً، لكنه يحاول إرضاء الطرفين بهدف تجنّب العودة إلى المواجهة. فمن جهة يضع شروط إيران في مسار تنفيذي يبدأ بإعادة فتح مضيق هرمز والحصول على جزءٍ من أموالها المجمّدة، وفي المقابل تحصل واشنطن على التزامٍ إيراني في شأن الملف النووي يُفترض أن يحفزها على إنهاء حصارها للموانئ الإيرانية... ثم يعود الطرفان الى المسار التفاوضي. تبقى تساؤلات كثيرة لدى المراجع المتابعة للوساطات، فهل الاتفاق المرتقب كافٍ لإعلان ترامب أن هذه هي "النهاية القريبة للحرب"، كما وعد بها، أو لإقناعه بالتخلي كلياً عن خطة "حرب قصيرة ومكثّفة" لضرب المواقع النووية وبعض البنى التحتية؟ وتلفت هذه المصادر إلى أن اتفاقاً كهذا كان يمكن التوصّل إليه في مفاوضات نيويورك قبل شهر ونيّف، لكن طهران رفضت آنذاك أي التزام نووي وفضّلت مواصلة الرهان على الانتخابات النصفية ووقعها على الإدارة الأميركية. وإذ تشير هذه المصادر إلى التصريحات التعبوية للمرشد مجتبى خامنئي، وإلى مطالبة الوزير عباس عراقجي بـ"تقليص القوات الأميركية" في المنطقة، فإنها تحذّر من تجدّد العراقيل