كما نرفض السلاح المتفلّت، يجب أن نرفض الإعلام المتفلّت. بعد المقال الذي نشرته في صحيفة "نداء الوطن" عن الصحافة وتصفية الحسابات، وجدت نفسي مضطرًا للعودة إلى الموضوع نفسه، ليس لأنني أرغب في تكرار الكلام، بل لأن ما نشهده اليوم يؤكد أن المشكلة أعمق من خلافات مهنية أو اختلافات في وجهات النظر. لقد حذّرت من خطورة استخدام بعض المنصات الإعلامية وحسابات التواصل الاجتماعي التي لا تتضح للرأي العام هويّة القائمين عليها أو مصادر تمويلها، والتي تُستخدم لنشر اتهامات وإطلاق تلميحات تمسّ بسمعة أشخاص، من دون تقديم أدلة واضحة تدعم ما يُنشر. وأمام ما يتعرّض له شريكي في "نداء الوطن"، الأستاذ ميشال المر، خلال الأيام الماضية من منشورات وحملات تتناول صورته وسمعته، لا أستطيع إلا أن أعبّر عن أسفي لما آلت إليه بعض الممارسات الإعلامية في لبنان، وعن تضامني معه في مواجهة أي افتراء أو تشهير لا يستند إلى أدلة قابلة للتحقق. إن موقفي هنا واضح: أنا أقف إلى جانب شريكي ميشال المر في حقّه في الدفاع عن اسمه وكرامته، كما أقف إلى جانب حقّ كل إنسان في ألّا يكون هدفًا لاتهامات تُطلق في الفضاء العام من دون إثبات. وهذا يعني أنني أطالب بمعيار واحد للجميع: الدليل قبل الاتهام، والحقيقة قبل التشهير. ما يقلقني هو أن يتحوّل الإعلام الرقمي إلى مساحة مفتوحة يستطيع فيها أي شخص أن ينشر ما يشاء، وأن يوجّه اتهامات خطيرة، ثم يكتفي بالقول إنه سيكشف الأدلة لاحقًا. إذا كان هناك دليل، فلماذا لا يُقدَّم مع الاتهام، أو إلى الجهات القضائية المختصة، بدلا من ترك السمعة الشخصية رهينة الشائعات والتلميحات؟ إن القول إن الأدلة ستظهر في وقت لاحق بعني أنها غير موجودة. أنا لا أدعو إلى منع النقد، ولا إلى حماية الشخصيات العامة من المساءلة. على العكس، أؤمن بأن الصحافة الحرّة يجب أن تكون قادرة على التحقيق والنقد وكشف المخالفات، مهما كانت مكانة الأشخاص المعنيين. لكن هناك فرقًا جوهريًا بين تحقيق صحافي يستند إلى وثائق ومصادر قابلة للتحقق، وبين حملة تقوم على الإيحاءات والاتهامات التي لا يُقدَّم ما يثبتها. ويزداد الأمر خطورة عندما تطال هذه الممارسات أشخاصًا يتولّون مسؤوليات في مؤسسات إعلامية عريقة، مثل مجموعة MTV، التي يشكّل تاريخها وحضورها جزءًا من المشهد الإعلامي اللبناني. فالمسألة لا تتعلق بشخص واحد أو بخلاف بين شريكين، بل بالمناخ الذي نريد أن يسود في بلدنا، وبالحدود التي ينبغي ألّا يتجاوزها أي شخص يستخدم الإعلام أو وسائل التواصل الاجتماعي. لطالما اعتبرنا أن الانفلات الأمني خطر على المجتمع، لأن وجود السلاح من دون ضوابط يهدّد سلامة الناس وحقوقهم. واليوم، أرى أن هناك حاجة ملحّة إلى مواجهة ما يمكن تسميته الانفلات الإعلامي أيضًا: حين تتحوّل المنصات إلى أدوات لإطلاق الاتهامات من دون مسؤولية، وحين تصبح سمعة الإنسان هدفًا سهلا، فيما تتراجع معايير التحقق والمهنية والمحاسبة. وكما لا يمكن القبول بأن يحمل كل شخص سلاحًا ويستخدمه من دون ضوابط، لا يمكن القبول بأن تصبح الكلمة أداة للإيذاء من دون أي اعتبار لحقوق الآخرين أو لخطورة النتائج. من هنا، أدعو كل من ينشر اتهامًا أو يلمّح إلى ارتكاب شخص مخالفة أو جريمة إلى تحمّل مسؤولية كلماته، وإلى تقديم ما يملك من أدلة عبر الوسائل المناسبة، لا الاكتفاء بإطلاق الاتهامات وترك الآخرين يواجهون نتائجها. وأتمنى أن تتوقف هذه الحملات العشوائية، وأن يعود النقاش الإعلامي في لبنان إلى الهدوء والعقلانية والاحتكام إلى الوقائع. فمن حقّ الجميع أن يختلفوا، وأن ينتقدوا، وأن يطالبوا بالمحاسبة، لكن ليس من حقّ أحد أن يعتبر سمعة الآخرين ثمناً مباحاً لخلافاته أو مصالحه. أما أنا، فعندما أقرأ اتهامًا لا أجد ما يسنده من دليل، فلا أتعامل معه على أنه حقيقة لمجرد أنه نُشر أو تكرّر. سأبقى أطالب بالإثبات، وأرفض تحويل الشكوك إلى أحكام، وأتمسّك بحقّ كل شخص في الدفاع عن نفسه أمام الرأي العام وأمام القضاء. تضامني مع ميشال المر هو موقف مبدئي قبل أن يكون موقف شراكة. فأنا لا أقبل أن يكون أي إنسان، أيًا كان اسمه أو موقعه، عرضة لحملة تشهير من دون أن تتوافر أدلة واضحة على ما يُنسب إليه. لبنان لا يحتاج إلى مزيد من حملات التشهير، بل إلى إعلام مسؤول، وحرية مقرونة بالمهنية، وخلافات تُعالج بالحجة والقانون، لا بالاتهامات المرسلة. فإذا أردنا حماية حرية الصحافة، علينا أيضًا أن نحميها من الممارسات التي تسيء إليها. وإذا أردنا إعلامًا قويًا، فعلينا أن نجعل الحقيقة معيار قوته، لا حجم الضجيج الذي يستطيع إحداثه.