الكرسي في لبنان يتجاوز بكثير وظيفته 2 تشرين الثاني 2026 · 12:37 ص قراءة في 3 دقائق حجم الخط فالكرسي عندنا ليس مجرد مكان للجلوس، بل موقع للنفوذ، ورمز للسلطة، وموضوع صراع لا ينتهي. من أجله تُعقد التحالفات، وتُخاض المعارك السياسية، وتُعطَّل المؤسسات، وتُرسم التسويات، وأحياناً تُرهن مصائر الأوطان. ولعلّ المفارقة التي تستحق التأمّل أن بلداً أمضى عقوداً يتصارع على الكراسي، وجد أخيراً مناسبة رسمية للاحتفال بكرسي! في السابع والعشرين من تشرين الأول، شهد كورنيش عين المريسة في بيروت افتتاح مجسّم لكرسي أزرق ضخم، مستوحى من عمل الفنانة الفرنسية سابين جيرودي في مدينة نيس، وقد صُنع في لبنان وحمل خريطته، بحضور السيدة الأولى وشخصيات رسمية وسياسية. مبادرة فنية جميلة في ظاهرها، تحمل معاني الصداقة والتلاقي بين ضفّتَي المتوسط. هل ما زلنا نعرف الفرق بين رمزية الوطن ورمزية السلطة؟ وبين ما يستحق الاحتفاء وما يستدعي تحمّل المسؤولية؟ في الجنوب، هناك عائلات تعيش تحت وطأة الخوف والاعتداءات، وتخشى على أبنائها وبناتها وبيوتها ومستقبلها. في الشمال، هناك عائلات يصارع أفرادها الفقر والعوز، حتى أصبح تأمين أبسط الاحتياجات اليومية عبئاً يفوق قدرتهم. وفي مختلف أنحاء الوطن، مواطنون أنهكتهم الأزمات الاقتصادية، وأذلّتهم الحاجة، وأفقدتهم سنوات الانهيار الكثير من ثقتهم بالدولة وبالغد. لا أقول إن على لبنان أن يتوقف عن الفرح، لكن هناك فرقاً كبيراً بين أن نمنح الناس مساحة للجمال، وبين أن نمنح مناسبة رمزية حجماً رسمياً لا يتناسب مع اللحظة الوطنية. فالكرسي الذي أرادته الفنانة مساحة للتلاقي، أعاد إلى ذاكرتي كراسي السلطة في لبنان، تلك التي تحوّلت، في كثير من محطات تاريخنا، من مواقع لخدمة الناس إلى غايات بحدّ ذاتها. كم من خلاف سياسي نشأ حول كرسي؟ كم من مؤسسة تعطّلت بانتظار الاتفاق على اسم من سيجلس عليه؟ كم من خطاب رُفع باسم الوطن، بينما كانت الغاية الحقيقية تثبيت موقع أو اقتسام نفوذ؟ وكم من مواطن دفع ثمن صراع لم يكن يوماً طرفاً فيه؟ المشكلة في لبنان لم تكن يوماً في قلّة الكراسي، بل في المعنى الذي أعطيناه لها. فالكرسي في الدولة ليس امتيازاً يُكتسب، بل أمانة تُحمَل. وليس مكافأة لمن يصل إليه، بل مسؤولية تجاه من لا يملكون صوتاً ولا نفوذاً ولا حماية. ومن هنا أعود إلى رمزية الكرسي الأزرق، وإلى خريطة لبنان التي يحملها. هل يكفي أن نضع خريطة الوطن على ظهر كرسي لنقول إننا نحتضنه؟ أم أن المطلوب أن يحمل من يجلسون على كراسي القرار أوجاع هذه الخريطة بكل مدنها وقراها وأهلها؟ وإذا كان هذا العمل الفني يرمز إلى الصداقة مع فرنسا، فالصداقة بين الدول قيمة نحترمها ونعتز بها. لكنني أتساءل أيضاً: إلى متى سنبقى نبحث عن رموز تؤكد صلاتنا بالخارج، فيما نحتاج قبل كل شيء إلى ترميم علاقتنا بوطننا وبمؤسساتنا؟ لا أريد أن أحمّل السيدة الأولى، أو أيّاً من المشاركين، مسؤولية أزمات لبنان المتراكمة. كما لا أشكّك في النوايا الطيبة التي رافقت هذه المبادرة. لكن الحضور الرسمي ليس تفصيلاً بروتوكولياً. إنه رسالة بحدّ ذاته. والسؤال هنا: هل هذا هو الوقت المناسب لمنحها كل هذا الاهتمام الرسمي؟ فالرمزية الوطنية الحقيقية ليست في الكرسي الذي يحمل خريطة لبنان، بل في المسؤول الذي يحمل لبنان وهو جالس على كرسيه. في لبنان، الجميع يريد الوصول إلى الكرسي، والقليلون يتذكّرون لماذا وُجد الكرسي أصلاً. إن كراسي السلطة،لا تُقاس قيمتها بمن يجلس عليها، بل بما يفعله الجالسون عليها من أجل الناس. فالوطن لا يحتاج إلى المزيد من الكراسي التي نحتفل بها، بل إلى من يستحقّ الجلوس على الكراسي التي نأتمنه عليها.