يتقدّم شبح الحرب الإقليميّة مجدّدًا على المشهد اللبنانيّ، وسط تهديدات إسرائيليّة تتجاوز حدود الجنوب إلى عمق البلاد ومرافئها، وترقّب لما ستُفضي إليه الانتخابات النصفيّة الأميركيّة، بعد انتخابات إسرائيليّة لم تُنتج أكثريّة حاكمة واضحة. وبينما كشفت صحيفة "معاريف" عن خطط عسكريّة تشمل احتلال صور وصيدا والنبطيّة، وفرض حصار بحريّ على بيروت وطرابلس، تلقّى لبنان، وفق معلومات دبلوماسيّة، تحذيرًا من احتمال استئناف ضربات واسعة قد تتجاوز في مدّتها وكثافتها ما شهدته العاصمة خلال الحرب الأخيرة. وفي موازاة التصعيد، تتحرّك الحكومة على مسارين، أمنيّ داخليّ يتقدّمه ضبط المعابر وملاحقة شبكات التهريب والسلاح، ودبلوماسيّ إقليميّ عنوانه إعادة تنظيم العلاقة مع دمشق وتوسيع التعاون العربيّ. لكنّ المسألة السياسيّة الأكثر إلحاحًا تبقى متّصلة بقرار الحرب نفسه، ومن يملكه، وما إذا كان لبنان سيجد نفسه مجدّدًا أمام مواجهة تُقرَّر خارج مؤسّساته. إسرائيل توسّع سيناريوهات الحرب لم تكن المعلومات التي نشرتها صحيفة "معاريف" الإسرائيليّة مجرّد تهديد عسكريّ تقليديّ. فالسيناريو الذي عرضته الصحيفة، نقلًا عن مسؤولين إسرائيليّين، يتضمّن توسيع العمليّات إلى مدن لبنانيّة رئيسيّة، في حال قرّر "حزب الله" الانخراط في مواجهة إلى جانب إيران. وبحسب الصحيفة، تشمل الاستعدادات الإسرائيليّة عمليّات بريّة تستهدف صور وصيدا والنبطيّة، وضربات جوّيّة كثيفة تطاول الضاحية الجنوبيّة لبيروت والعمق اللبنانيّ. كما تتضمّن احتمال فرض حصار بحريّ على مرفأَي بيروت وطرابلس، بمشاركة القوّات البحريّة الإسرائيليّة. وتحمل هذه السيناريوهات دلالات تتجاوز نطاق العمليّات العسكريّة المحدودة. فاستهداف المرافئ والمدن الكبرى يعني توسيع الضغوط إلى المرافق الحيويّة والمدنيّة، وإدخال الاقتصاد اللبنانيّ وحركة الإمدادات ضمن حسابات المواجهة. لكنّ ما نقلته "معاريف" يبقى في إطار الخطط والاستعدادات المنسوبة إلى مصادر إسرائيليّة، ولا يشكّل إعلانًا رسميًّا بقرار تنفيذها. مع ذلك، فإنّ نشرها في هذا التوقيت يحمل رسالة ردع موجّهة إلى "حزب الله"، وضغطًا سياسيًّا على الدولة اللبنانيّة، في ظلّ احتمالات تجدّد المواجهة الإسرائيليّة الإيرانيّة. والأخطر أنّ التهديد لا يقتصر على الردّ على تحرّك عسكريّ محتمل، بل يطرح إعادة توسيع نطاق السيطرة الإسرائيليّة على الأراضي اللبنانيّة. وهنا يتجاوز الخطر مسألة حجم الضربات إلى احتمال فرض وقائع احتلال جديدة يصعب تفكيكها دبلوماسيًّا. وتزامن نشر هذه السيناريوهات مع ما نقلته مصادر دبلوماسيّة، تفيد بأنّ لبنان تلقّى تنبيهًا من احتمال تكرار إسرائيل الأيّام القاسية التي شهدتها بيروت خلال الحرب الأخيرة، مع الإشارة إلى أنّ التصعيد المحتمل قد يمتدّ لأكثر من يوم. ويُضيف هذا التحذير إلى المخاوف القائمة بُعدًا يتّصل بمدّة العمليّات واتّساعها. فالحرب التي لا تقتصر على ضربة محدودة، وتطاول مراكز حضريّة ومرافق أساسيّة، تطرح تحدّيات مختلفة أمام قدرة الدولة على إدارة النزوح والإغاثة واستمراريّة المؤسّسات. غير أنّ المعلومات الدبلوماسيّة لا تكشف قرارًا إسرائيليًّا نهائيًّا، ولا تحدّد موعدًا لأيّ عمليّة. وفي هذا المناخ، يصبح السؤال اللبنانيّ متّصلًا بكيفيّة تجنّب الانخراط في مواجهة إقليميّة جديدة، وبمدى قدرة الاتّصالات الدبلوماسيّة على منع إسرائيل من استغلال أيّ تطوّر عسكريّ لتوسيع اعتداءاتها. انتخابات إسرائيل وواشنطن: الحسابات لم تُحسم وتأتي التهديدات بعد الانتخابات الإسرائيليّة التي جرت في 27 تشرين الأوّل، وأفضت إلى مشهد برلمانيّ مفتوح على مفاوضات ائتلافيّة معقّدة. فقد حصل معسكر بنيامين نتنياهو على 53 مقعدًا، مقابل 48 للمعسكر المنافس بقيادة غادي آيزنكوت، فيما حصدت الأحزاب العربيّة 19 مقعدًا، من دون حصول أيّ من المعسكرين الرئيسيين على الأكثريّة اللازمة لتشكيل الحكومة. ويعني ذلك أنّ الانتخابات لم تحسم اتّجاه السلطة التنفيذيّة المقبلة، وأنّ الملفّ الأمنيّ سيبقى حاضرًا في المفاوضات الداخليّة الإسرائيليّة. لكنّ استمرار حكومة تصريف الأعمال أو تشكّل ائتلاف جديد لا يتيح، بذاته، استنتاج قرار عسكريّ محدّد حيال لبنان. أمّا في واشنطن، فتتّجه الأنظار إلى الانتخابات النصفيّة المقرّرة الثلاثاء في 3 تشرين الثاني. وهي انتخابات تحدّد توازن القوى في الكونغرس، وبالتالي قدرة الرئيس دونالد ترامب على تمرير سياساته الداخليّة والخارجيّة خلال النصف الثاني من ولايته. ويكتسب الاستحقاق أهميّته الإقليميّة من تزامنه مع المفاوضات المتعلّقة بإيران. وقد نقلت تقارير عن موقع "أكسيوس" أنّ ترامب يفضّل حاليًّا إتاحة المجال للمحادثات، بالتوازي مع استمرار الاستعدادات العسكريّة. وبذلك، يبقى الخيار الدبلوماسيّ حاضرًا إلى جانب التهديد باستخدام