من اختفاء الشمس خلف القمر، إلى مذنبات لامعة شقّت ظلمة الليل، وعبورٍ نادر لكوكب الزهرة، واقتران لافت بين المشتري وزحل، ظلّت سماء السعودية طوال عقود مسرحاً لظواهر فلكية استثنائية جذبت أنظار العلماء والهواة. غير أن المشهد الأكثر إثارة يستعد للعودة في 2 أغسطس 2027، حين يعبر كسوف شمسي كلي مساحة واسعة من المملكة، بعد نحو 75 عاماً على آخر كسوف كلي شهدته أجزاء من أراضيها عام 1952. وخلال دقائق معدودة، سيتحول ضوء الظهيرة إلى ظلام مؤقت في مدنٍ عدة، بينها جدة ومكة المكرمة. من 1905 إلى 2027: حكاية الكسوف في مدينة جدة من الكسوف الكلي للشمس عام 1905 مروراً بالكسوف الجزئي العميق عام 1952 وصولاً إلى الكسوف الكلي المرتقب في عام 2027. #JeddahEclipse2027 🔆 #معاً_نستكشف_الكون https://t.co/vSUavX69GB— الجمعية الفلكية بجدة (@JASsociety) October 28, 2026 من 1905 إلى 2027: حكاية الكسوف في مدينة جدة من الكسوف الكلي للشمس عام 1905 مروراً بالكسوف الجزئي العميق عام 1952 وصولاً إلى الكسوف الكلي المرتقب في عام 2027. #JeddahEclipse2027 🔆 #معاً_نستكشف_الكون https://t.co/vSUavX69GB وقال رئيس الجمعية الفلكية بجدة، المهندس ماجد أبو زاهرة، لـ"العربية.نت" إن سماء المملكة شهدت خلال العقود الماضية سلسلة من المحطات الفلكية اللافتة، شملت كسوفات وخسوفات، وظهور مذنبات شهيرة، وعبور كوكب الزهرة أمام الشمس، إلى جانب اقترانات كوكبية نادرة. وأشار إلى أن كسوف 2027 يحمل خصوصيةً تاريخية، إذ يعيد تجربة الكسوف الكلي إلى السعودية بعد انقطاع امتد نحو ثلاثة أرباع قرن. في 25 فبراير 1952، مر مسار الكسوف الكلي فوق أجزاءٍ من السعودية، لتعيش المنطقة واحداً من أبرز الأحداث المسجلة في تاريخ الرصد الفلكي بها. استمرت مرحلة الكلية العظمى نحو 3 دقائق و9 ثوان، اختفى خلالها قرص الشمس خلف القمر، فيما ظهرت الهالة الشمسية مضيئةً حوله في مشهدٍ نادر لم يتكرر فوق أراضي المملكة طوال العقود التالية. شكّل ذلك الكسوف بداية رحلة زمنية حافلة بالظواهر الفلكية، بعضها عاد بعد غياب طويل، وبعضها لن يتكرر قبل مرور أكثر من قرن. بعد أكثر من ثلاثة عقود على كسوف 1952، عادت الأنظار إلى السماء مع ظهور مذنب "هالي" عام 1986، عقب إكمال دورةٍ جديدة حول الشمس. لم يكن ظهور المذنب حدثاً بصرياً فحسب، بل مثّل فرصةً علميةً لدراسة واحدٍ من أشهر الأجرام السماوية. وأرسلت وكالات الفضاء مركباتٍ لمراقبته، من بينها مركبة "جيوتو" التابعة لوكالة الفضاء الأوروبية، التي اقتربت من نواته ودرست المواد الغازية والغبار المحيط بها. وبعد نحو عقد، خطف مذنب "هياكوتاكي" الأنظار عام 1996، بعدما ظهر بذيلٍ طويل نتيجة اقترابه نسبياً من الأرض. وفي العام التالي، أضاء مذنب "هيل-بوب" السماء لفترةٍ طويلة، وأمكنت مشاهدته بالعين المجردة من مناطق عدة، خصوصاً المواقع البعيدة عن أضواء المدن. شهد العالم في 11 أغسطس 1999 كسوفاً شمسياً كلياً عبر أجزاءٍ من أوروبا وآسيا، بينما ظهر في سماء المملكة على هيئة كسوفٍ جزئي عميق. وبحسب جداول الرصد المحلية، بلغ مقدار الكسوف نحو 0.587 في جدة، و0.770 في الرياض، من دون أن يصل إلى مرحلة الكلية. وأوضح أبو زاهرة أن الكسوف الجزئي مهما بلغت نسبة حجب الشمس خلاله، يختلف جذرياً عن الكسوف الكلي، إذ مر مسار الكلية فوق أجزاء من المملكة عام 1952، بينما غطى القمر جزءاً كبيراً من قرص الشمس فقط خلال حدث 1999. في 8 يونيو 2004، سجلت السماء حدثاً نادراً تمثّل في عبور كوكب الزهرة أمام قرص الشمس، حيث ظهر الكوكب كنقطة سوداء صغيرة تتحرك ببطء أمامها. تكرر المشهد في 6 يونيو 2012، قبل أن يدخل العبور في فترة غياب طويلة، إذ لن يشهد العالم عبوراً جديداً لكوكب الزهرة أمام الشمس حتى عام 2117. وبين الحدثين، شهد عام 2007 مفاجأة فلكية أخرى، عندما ازداد لمعان المذنب "17P/هولمز" بصورة كبيرة ومفاجئة، ليصبح مرئياً بالعين المجردة في ظروف الرصد المناسبة. ومن مناطق شمال جدة، أمكنت مشاهدة المذنب كنقطة ضبابية واضحة نسبياً، في ظاهرة استوقفت هواة الفلك بسبب التحول السريع في لمعانه. كسوفات متتابعة في سماء المملكة لم تتوقف مشاهد الكسوف عند حدثي 1952 و1999، بل تعاقبت ظواهر أخرى أمكن رصدها من السعودية بدرجاتٍ متفاوتة. ففي 29 مارس 2006، ظهر كسوف شمسي جزئي، فيما شهدت المملكة كسوف 15 يناير 2010 الحلقي بصورةٍ جزئية، بينما مر مساره الحلقي الكامل فوق مناطق أخرى. وفي 26 ديسمبر 2019، عبر كسوف حلقي أجزاءً من السعودية، قبل أن تشهد المنطقة كسوفاً حلقياً آخر في 21 يونيو 2020، ظهر جزئياً في عدد من مناطق المملكة. ومع ذلك، بقيت تجربة الكسوف الكلي، بما يصاحبها من اختفاء كامل للشمس وظهورٍ لهالتها، غائبة عن سماء السعودية منذ عام 1952. حمل عام 2020 أكثر من حدثٍ فلكي لاف