اتسعت خلال الأيام الماضية الاحتجاجات السورية على التوغلات الإسرائيلية في جنوب سوريا، بعدما انتقلت دعوات التضامن مع أهالي القنيطرة ودرعا من مواقع التواصل إلى ساحات دمشق ومدن أخرى، بالتزامن مع نقاش أثارته مقابلات أجرتها شخصيات سورية مع وسائل إعلام إسرائيلية، دعت فيها إلى التقارب والسلام. ويتزامن ذلك مع اتصالات تجريها دمشق للتوصل إلى ترتيبات أمنية مع تل أبيب، مما يضع النقاش حول مستقبل العلاقة بين البلدين أمام واقعين متوازيين: سوريون يطالبون بوقف الاعتداءات واستعادة حقوقهم، ومسار تفاوضي ما زالت شروطه ونتائجه غير واضحة للرأي العام. تحت شعار "القنيطرة ليست وحدها"، دعت حملة في مواقع التواصل أطلقها ناشطون ومنظمات مدنية في الاسبوع الماضي إلى توسيع التضامن مع سكان الجنوب، وتوثيق الانتهاكات ومتابعة مصير السوريين المحتجزين لدى إسرائيل. وسرعان ما انتقلت الدعوات إلى الشارع، حيث تجمع محتجون أمام مبنى الأمم المتحدة في المزة في دمشق، وشهدت حمص ودرعا ودوما وسقبا وسعسع وسلمية ومصياف والرقة والحسكة وإدلب وقفات رفعت خلالها شعارات منها "الجنوب السوري ليس مسرحاً لانتخاباتكم" و"لا تراهنوا على خلافاتنا، فعداؤكم يوحّدنا"، فيما تكرر هتاف "واحد واحد، الشعب السوري واحد" في مشهد حاول المشاركون من خلاله وضع قضية الجنوب خارج الانقسامات التي تركتها الحرب. وجاءت الاحتجاجات عقب مقتل الشاب معاذ سلامة البعير، وهو من ذوي الإعاقة، برصاص القوات الإسرائيلية خلال توغلها في قرية جملة بريف درعا الغربي. وكانت مفوضية الأمم المتحدة لحقوق الإنسان أعلنت في 9 تشرين الأول تسجيل نحو 280 حادثة توغل عسكري إسرائيلي خلال أيلول وحده، شملت مداهمات وقيوداً على الحركة واعتقالات وتدميراً لمصادر الرزق، فيما أشارت إلى معلومات حول استمرار احتجاز 49 سورياً، من دون تمكنها من التحقق بصورة مستقلة من العدد الإجمالي. وتوضح هذه الوقائع أن ما يجري في الجنوب أصبح جزءاً من الحياة اليومية للسكان، من الوصول إلى الأراضي الزراعية إلى الخوف من الاعتقال، بعدما اعتاد بقية السوريين تلقيه في أخبار متفرقة لا تحظى دائماً بالاهتمام نفسه. وتعيد هذه الاحتجاجات للسوريون امتلاك حق التعبير عن قضية احتكر نظام الأسد التحدث باسمهم فيها، واستخدم الجولان والقضية الفلسطينية في خطاب شرعيته، مع إبقاء قرار الحرب والسلام خارج أي نقاش عام. لكن سقوط النظام لم ينهِ الوقائع التي صنعت هذا الموقف تاريخياً، كما أن إعادة النظر في لغة العداء الرسمية لا تستدعي تجاهل الاحتلال القائم منذ عام 1967. ناشطة سورية على قناة إسرائيلية وفي هذا السياق أثارت مقابلة الناشطة السورية الأميركية ميساء قباني مع قناة "مكان" الإسرائيلية، في 13 تشرين الأول، انتقادات بعدما دعت إسرائيل إلى عدم اعتبار سوريا عدواً جديداً، ورأت أن الاتفاق الأمني قد يمهد للسلام، مستندة إلى انتهاء نفوذ إيران وحزب الله ورغبة السوريين في إعادة بناء بلدهم. ورغم رفضها التوغلات الإسرائيلية، رأى منتقدون أنها أعطت مساحة أكبر للمخاوف الأمنية الإسرائيلية من مطالب الانسحاب، وناقش آخرون حقها في الحديث عن موقف السوريين من التطبيع، خصوصاً أنها لم تقدم جواباً مباشراً عن حجم قبولهم به. وبررت قباني ظهورها برغبتها في مخاطبة الجمهور الإسرائيلي، وهي حجة تضع النقاش في مكان مختلف عن مجرد الاعتراض على الظهور في وسيلة إعلام إسرائيلية. فالتواصل الإعلامي قد يتيح نقل وجهة نظر سورية إلى جمهور آخر، إلا أن تقديم التقارب باعتباره رغبة شعبية عامة يطرح مسألة التمثيل، فيما يصبح مضمون الدعوة إلى السلام موضع مساءلة إذا غابت عنه الأراضي المحتلة والاعتقالات. وعاد مع مقابلة قباني تداول حديث فهد المصري لصحيفة "إسرائيل هيوم»: عن التواصل والسلام، وأخبار إطلاق غسان إبراهيم نسخة عبرية من "سيريا فوكس"، وهي مبادرات فردية تتقاطع مع المفاوضات الجارية من دون أن تكون امتداداً رسمياً لها أو دليلاً على توافق السوريين بشأنها. وتزداد أهمية التمييز هنا بين تفاهم أمني لوقف العمليات العسكرية، وتسوية سياسية تعالج الاحتلال، وعلاقات إعلامية أو دبلوماسية قد تمضي قبل حسم القضايا الأساسية. فإرهاق السوريين من الحرب يمنح الرغبة في السلام مشروعيتها، وفي الوقت نفسه لا يجيب عن حجم التنازلات المقبولة أو مصير الجولان والمناطق التي دخلتها إسرائيل بعد سقوط النظام. كما أن الضمانات الأمنية التي تطلبها إسرائيل تقابلها حاجة سكان الجنوب إلى ضمانات فعلية تحمي أراضيهم وحركتهم وحياتهم. وفي السويداء، أضافت وقفة نظمها مؤيدون للشيخ حكمت الهجري في 7 تشرين الأول، ورفع بعض المشاركين فيها أعلاماً إسرائيلية وصور بنيامين نتنياهو، بعداً آخر للجدل، بعدما قوبلت بانتقادات بينها مواقف لسوريين من المحافظة نفسها. وفي المقابل، كشف تحقيق لـ"واشنطن بوست في كانون ال