في واحدة من أكثر مفارقات السياسة الدولية إثارةً للتأمل، تخوض بعض الأنظمة السلطوية، وفي مقدمتها النظام الإيراني، صراعاً مفتوحاً مع دول غربية ديموقراطية، بينما تستفيد في الوقت نفسه من أهم القيم التي تقوم عليها هذه الديموقراطيات: حرية التعبير، وحرية الإعلام، والتعددية السياسية، واستقلال المؤسسات، وحق المواطنين في الاعتراض والاحتجاج. وهنا تبرز مفارقة استراتيجية لافتة: النظام الذي يقمع الحريات في الداخل، يراهن على الحريات في الدول التي يواجهها في الخارج. يمكن النظر إلى هذه المسألة باعتبارها جزءاً من معادلة سياسية واستراتيجية أكثر تعقيداً. فالأنظمة الديكتاتورية لا تحتاج إلى أن تكون ديموقراطية كي تواجه الديموقراطيات؛ بل تستطيع، في بعض الحالات، أن تجعل من ديموقراطية خصمها نقطة قوة لها، وأن تحول انفتاح المجتمع والمؤسسات وحرية النقاش إلى أدوات يمكن استغلالها في الصراع السياسي. فالنظام السلطوي قد لا يستطيع تغيير سياساته الداخلية بسهولة، لكنه يستطيع أن ينتظر تغيراً في القيادة السياسية لدى خصمه الديموقراطي، أو تغيراً في المزاج الشعبي، أو ظهور تيارات سياسية جديدة أكثر استعداداً للتفاوض معه. ومن هنا تصبح الانتخابات في الدول الديموقراطية، بالنسبة إلى خصم سلطوي، ليست مجرد ممارسة ديموقراطية داخلية، بل حدث استراتيجي يمكن مراقبته وانتظاره واستثماره. وهكذا يصبح المشهد شديد التناقض: في الداخل، إغلاق المجال السياسي. وفي الخارج مراقبة المجال الديموقراطي والاستفادة من انفتاحه. أحد أهم الأسلحة التي تمتلكها الأنظمة السلطوية هو الوقت. الديموقراطيات تتحرك غالباً وفق دورات انتخابية قصيرة نسبياً، بينما تستطيع الأنظمة السلطوية التفكير بمنطق أطول أمداً، فيمكنها أن تنتظر سنوات حتى تتغير حكومة حرّة، أو حتى يتغير موقف الرأي العام، أو حتى تظهر أزمة اقتصادية أو اجتماعية داخل الدولة الخصم. فما تعتبره الديموقراطية تغييراً طبيعياً في السلطة، قد تعتبره الديكتاتورية فرصة استراتيجية. الدولة الديموقراطية قد تتخذ موقفاً متشدداً تجاه دولة سلطوية، ثم تأتي حكومة جديدة فتطرح سياسة أكثر انفتاحاً على الحوار، ويتجلّى ذلك في السياسات الأميركية. وقد تفرض إدارة ما عقوبات، ثم تأتي إدارة أخرى فتخففها. وقد تعتبر حكومة معينة أن المواجهة هي الخيار الأفضل، بينما ترى حكومة لاحقة أن التفاوض أكثر فائدة، وأحياناً الاثنين معاً. وهنا تراهن الديكتاتورية على قاعدة بسيطة: إذا كنت لا تستطيع تغيير خصمك بالقوة، فانتظر حتى تغيّره الديموقراطية من الداخل. هذه ليست دعوة إلى اعتبار الديموقراطية نقطة ضعف، بل إلى إدراك أن الانفتاح الديموقراطي يحتاج إلى استراتيجية تحميه من الاستغلال. يقدم النظام الإيراني مثالاً واضحاً على هذه المفارقة. فإيران، كدولة ذات نظام سياسي شديد المركزية، تتبنى سياسات إقليمية ودولية تقوم على المدى الطويل، وتعمل ضمن منظومة مؤسسات أمنية وعسكرية وسياسية متداخلة. وفي المقابل، تتعامل مع دول غربية تتغيّر حكوماتها وسياساتها عبر الانتخابات. لذلك لا ينظر صانع القرار الإيراني بالضرورة إلى الحكومة الغربية الحالية باعتبارها ثابتاً دائماً، بل قد ينظر إلى الدولة الغربية باعتبارها نظاماً سياسياً قابلاً للتغيير. ومن هنا يصبح الرهان على التحول السياسي في الديموقراطيات جزءاً من حسابات الأنظمة السلطوية. رغم أنه جزء طبيعي من الديموقراطية، لكنه قد يتحول إلى مادة تستثمرها الدول المعادية في صراعاتها السياسية والاستراتيجية. لا تقتصر المسألة على انتظار الانتخابات. فحرية التعبير تسمح بظهور أصوات عديدة داخل المجتمع الديموقراطي: أصوات مؤيدة للحرب وأخرى معارضة لها، أصوات تطالب بالتفاوض وأخرى تطالب بالتصعيد، أصوات تنتقد الحكومة وأخرى تدافع عنها. هذا أمر صحي في النظام الديموقراطي، لكن في الصراع الدولي، قد تحاول دولة سلطوية استغلال هذا التعدد من خلال حملات التأثير السياسي والإعلامي، أو نشر روايات مضللة، أو تضخيم الخلافات الموجودة أصلاً، أو تقديم نفسها إلى قطاعات معينة من الرأي العام باعتبارها ضحية للسياسات الغربية. وهنا لا تكمن المشكلة في وجود المعارضة أو حرية التعبير؛ فهذه ليست عيوباً في الديموقراطية، بل من أهم عناصر قوتها. المشكلة تكمن في استغلال الانفتاح الديموقراطي من طرف خارجي لا يؤمن أصلاً بالمبادئ التي تحمي هذا الانفتاح. بمعنى آخر، قد تستخدم الديكتاتورية حرية الديموقراطية ضد الديموقراطية نفسها. إلى جانب أن الدولة الديموقراطية تفرض على نفسها قيوداً لا تفرضها الأنظمة السلطوية على نفسها. فهي تخضع للقضاء، والإعلام، والبرلمان، والرأي العام، والقانون الدولي، والمنظمات الحقوقية والإنسانية. أما النظام السلطوي فقد يستطيع اتخاذ قراراته بسرعة أكبر، ولا يحتاج دائماً إلى الحصول على موافقة شعبية أو مؤسسات