منذ نجحت الفصائل السورية في كسر المحور الإيراني في بلاد الشام، برزت دمشق كلاعب جيوسياسي في ظل أوضاع إقليمية ديناميكية متفجرة. كان للنجاح الذي حققته معركة "ردع العدوان" في تحطيم الحلقة السورية للمحور الإيراني تأثير جيوسياسي يشابه ذاك الذي أحدثه انتصار المماليك في القرن الثالث عشر الميلادي على جحافل المغول في معركة عين جالوت. خلال تلك المعركة، هزم المماليك المغول، الذين أسسوا الدولة الإيلخانية في بلاد فارس والعراق على أنقاض الخلافة العباسية، ودفعوهم خارج التخوم الشامية. إلا أن الدولة الإيلخانية، التي أحكمت سيطرتها على الهضبة الإيرانية وبلاد الرافدين، تربصت الدوائر ببلاد الشام، متعاونةً في سبيل ذلك مع مجموعات من سكان الجبال في لبنان وسوريا. رويداً رويداً، وسّع المماليك نطاق هيمنتهم على بلاد الشام، وبالتعاون مع سلاجقة الروم والقبيلة الذهبية، تمكنوا من احتواء النزعة التوسعية للدولة الإيلخانية حتى اضمحلت واختفت من مسرح التاريخ. التطويق الإسرائيلي الإيراني! اليوم، يجد الحكم السوري نفسه في ذات الموقف الذي كان فيه المماليك بعد عين جالوت. فالمحور الإيراني، وإن تلقى هزيمة قاسية في بلاد الشام، لا يزال مسيطراً على بغداد، كما لا تزال ذراعه المركزية في لبنان، حزب الله، تحوز قدرات معتبرة وتطفح بنوايا عدوانية، وهي بعدُ متحصنة في الضاحية الجنوبية لبيروت، وسهول البقاع، وهضاب الهرمل، ومرتفعات جبل عامل. وكما كان الحال إبان القرن الثالث عشر للميلاد، عندما كانت بلاد الشام عرضة للتهديدات المزدوجة من مملكة القدس الصليبية في عكا، ومن ورائها ممالك أوروبا، ومن الدولة الإيلخانية في بلاد فارس والعراق، ومن ورائها الإمبراطورية المغولية الكبرى، تجد دمشق نفسها بين فكي العدوان الإسرائيلي وشبح العودة الإيرانية. لهذا، سيكون على الحكم السوري التعامل بحذر مع الأخطار التي تهدد سوريا ما بعد نظام الأسد، والمترافقة مع تصاعد النزعة الإيرانية الانتحارية تجاه دول الخليج. بدفع من "الحرس الثوري الإيراني"، ومشاركة قيادات من حزب الله، والفصائل العراقية الولائية، وفلول نظام الأسد، أشعلت حركة "أنصار الله" (الحوثيين) جبهات اليمن. أعادت مشاركة تلك الجماعات المدعومة من طهران في هجمات الحوثيين على قوات الحكومة اليمنية والأراضي السعودية التأكيد على ترابط مصير بلاد الشام بمصائر دول الخليج العربي واليمن والعراق. وإن كانت دول المنطقة محشورة بين نزعات إيران العدوانية ومحاولات إسرائيل التوسعية، فقد أثبتت معارك اليمن استحالة التعايش مع النظام الإيراني. لقد اتضح للجميع أن الأولوية يجب أن تكون لهزيمة ثوريي طهران، كخطوة نحو ترميم التعايش التاريخي بين أبناء المنطقة من مختلف الاتجاهات الدينية والمذهبية، الذي خربته ثورة روح الله الموسوي الخميني قبل سبع وأربعين سنة. دمشق بين اليمن ولبنان والعراق وفيما تتجه الأنظار إلى اليمن، وسط حراك إقليمي ودولي يستهدف الرد على اعتداءات الحوثيين، تتروى السلطات السورية في المشهد، متحسبةً لخطواتها القادمة. وتتالى التناقضات أمام دمشق؛ فإرسال قوات للمشاركة في القتال الدائر حول اليمن قد يخلق فراغات داخل سوريا يستغلها حزب الله والفصائل العراقية الولائية لشن هجمات مباغتة على الحدود مع لبنان والعراق، أو تستغلها إسرائيل كي تواصل توغلاتها في جنوب سوريا. أما فتح معركة مع حزب الله في لبنان، فقد يؤدي إلى هجوم الفصائل العراقية على البادية السورية، وربما اتخذت تل أبيب من انشغال القوات السورية في لبنان فرصة كي تثبت احتلالها للمنطقة العازلة في جنوب سوريا وتوسّع نطاقها نحو عمق الأراضي السورية. أما اتخاذ الموقف الدفاعي على الحدود مع لبنان والعراق، وإن ضمن للسوريين الهدوء، إلا أنه قد يسمح لحزب الله والفصائل العراقية بإرسال المزيد من العناصر إلى اليمن، عبر العراق، لحسم معركة السيطرة على مدينة تعز وعلى باب المندب. ومن شأن اتخاذ القوات السورية موقفاً هجومياً على الحدود اللبنانية السورية والعراقية السورية أن يردع حزب الله والفصائل العراقية عن إرسال المزيد من العناصر إلى اليمن، وقد يدفعها إلى إعادة عناصرها من اليمن خوفاً من هجوم سوري مفاجئ. مع ذلك، فإن حشد القوات السورية بوضعية هجومية على الحدود قد يورط السوريين في قتال لا تحتمله أوضاع بلادهم، إذ قد تنزلق الأطراف إلى دوامة من التصعيد جراء الشك وسوء الحسابات. خلال الجولة السابقة من الحرب الإيرانية الأميركية الإسرائيلية، اضطر مزيج هذه التناقضات السوريين إلى اتخاذ موقف الدفاع الاستراتيجي، وإن تزاوج مع حشد متقطع للقوات السورية على الحدود مع لبنان والعراق. ولأن مستوى الحشود السورية لم يكن كافياً، فقد اتضح ضعف الموقف السوري الدفاعي، ما أدى إلى تنفيس الضغوط على حزب الله والفصائل العراقية، وانتقال المبادرة الاستراتيجية، على مستوى بل