في لبنان يبدو فادحاً أن يحتاج الموتى أيضاً إلى من يحمي سكينتهم. ما جرى في مقبرة القديسين في حارة الفوار يتجاوز مشهد تماثيل محطّمة وقبور عُبث بمحتوياتها. هناك عائلات ستدخل المكان الذي أودعت فيه أحبّاءها، لتجد أنّ يد الاعتداء وصلت إلى آخر مساحة يفترض أن تبقى بمنأى عن الأذى. للمقبرة حرمة يعرفها الناس قبل أن تنصّ عليها القوانين. عند أبوابها، تُخفض الأصوات، وتُحترم دمعة الغريب، ويصبح الحفاظ على حجر يحمل اسماً جزءاً من احترام حياة كاملة. لذلك، حين يُكسر تمثال أو يُنتهك مدفن، يقع الأذى على الأحياء أيضاً؛ على أمّ تزور ابنها، وعلى أبناء يستعيدون وجوه أهلهم، وعلى عائلة لا تملك من حضور غائبها سوى هذا المكان. باشرت القوى الأمنية تحقيقاتها، والمطلوب أن تصل إلى الفاعلين وتكشف ملابسات ما حصل. لكنّ السؤال الذي يفرض نفسه أبعد من هوية من دخل المقبرة فجراً: لماذا تبدو حرمة هذه الأماكن سهلة الانتهاك، فيما لا تبدأ المطالبة بحمايتها إلا بعد انتشار صور الخراب؟ خلال هذا العام، حضرت الاعتداءات على الكنائس والمدافن والمزارات في أكثر من منطقة لبنانية. من القبيات إلى عجلتون، ومن طرابلس إلى زوق مصبح والبرامية والمنية، اختلفت الأفعال والظروف، وبقي الأثر ثقيلاً على الناس. لا تسمح هذه الوقائع بالجزم بأنّ خلفها جهة واحدة أو مخطّطاً منظّماً، لكنها تضع أمام المسؤولين ما يكفي من الأسباب للتعامل مع الحماية بوصفها حاجة قائمة، تستوجب عملاً يسبق الاعتداء. المشكلة في الاستنكار حين يصبح نهاية الواجب. تُنشر الصور، وترتفع الأصوات، وتتوالى المواقف، ثم ينحسر الاهتمام وتبقى العائلة أمام قبرها المتضرّر، والرعية أمام بابها المخلوع، وأهالي المنطقة أمام قلقهم. ومع كل حادثة جديدة، يعود الكلام نفسه، كأنّ ما سبقه لم يترك درساً يستحق أن يتحوّل إلى إجراء. وليس من الإنصاف تجاهل التوقيفات التي أعلنتها الأجهزة الأمنية في عدد من هذه الملفات. ثمة عمل أُنجز ويجب الاعتراف به، كما يجب متابعة ما يليه. فالتوقيف يفتح طريق المحاسبة، وتبقى نتائج التحقيقات والمسارات القضائية ضرورية لمعرفة الحقيقة. ومن حق الناس أن يعرفوا، ضمن ما يتيحه القانون، إلى أين وصلت القضايا التي هزّت شعورهم بالأمان. لكنّ حماية المقدّسات تبدأ أيضاً من اللغة التي تُستخدم بعد الاعتداء. الغضب مفهوم، والإدانة واجبة، أما توزيع التهمة على طائفة أو جنسية أو منطقة فيوسّع دائرة الأذى ويمنح المعتدي قدرة إضافية على تفريق الناس. يُحاسَب من ارتكب ومن شارك ومن حرّض، وفق الأدلة. وتبقى حرمة الآخرين مسؤولية الجميع، كما عبّر موقف مفتي طرابلس والشمال من الاعتداء على مدافن الروم الأرثوذكس في المدينة. وهذا الحق يُنتهك أيضاً حين تطال الاعتداءات الإسرائيلية أماكن العبادة والمدافن. تختلف المسؤوليات ووسائل الاعتداء، لكنّ حرمة المسجد والكنيسة والمقبرة تظلّ واجبة الحماية. ولا يجوز أن تتحوّل الأضرار التي تصيبها إلى تفصيل عابر في أخبار الدمار، لما تحمله هذه الأماكن من ذاكرة ومعنى لدى أهلها. في حارة الفوار، سيُرمَّم ما تكسّر، لكنّ الطمأنينة تحتاج إلى أكثر من إصلاح الحجر. تحتاج إلى حقيقة تُكشف، ومسؤولية تُحدَّد، وحماية يشعر بها الناس عند زيارتهم المقبلة. فحرمة الموتى تُصان بما تفعله الدولة والمجتمع لحفظها، وقيمة الاستنكار تُقاس بما يأتي بعده.