في ذروة المعركة على تشكيل الحكومة الإسرائيلية الجديدة، فتح بنيامين نتنياهو جبهة سياسية جديدة ضد الأحزاب العربية، مستعيناً بوثيقة منسوبة إلى "القائمة العربية الموحدة" بزعامة منصور عباس، قبل أن يتبين، وفق متابعين، أن البرنامج الذي عرضه يعود إلى عام 2002، ما أثار جدلاً بشأن مدى صلاحيته للتعبير عن مواقف القائمة الحالية. ونشر نتنياهو، الأحد، عبر حسابه على منصة "إكس"، صورة تتضمن 12 بنداً تحت عنوان "القائمة العربية الموحدة – البرنامج الانتخابي"، وعلّق عليها بالقول: "هذه أجندة منصور عباس، ويُحظر تشكيل حكومة معه". وتضمنت الوثيقة مواقف سياسية تطالب بإنهاء السيطرة الإسرائيلية على الأراضي الفلسطينية وإخلاء المستوطنات ووقف مصادرة الأراضي، إلى جانب المطالبة بحق العودة للاجئين الفلسطينيين والإفراج عن الأسرى الفلسطينيين، وإنهاء الحصار المفروض على العراق والسودان وليبيا، فضلاً عن رفض تجنيد العرب في الجيش الإسرائيلي. إلا أن منشور نتنياهو سرعان ما أثار موجة من التفاعل والانتقادات، إذ أشار متابعون إلى أن الوثيقة تعود إلى عام 2002، معتبرين أن الاستناد إليها بوصفها تعبيراً عن البرنامج السياسي الحالي لـ"القائمة العربية الموحدة" لا يعكس بالضرورة مواقفها الراهنة. ويأتي تحرك نتنياهو في توقيت سياسي شديد الحساسية، مع استمرار مأزق تشكيل الحكومة الإسرائيلية بعد الانتخابات الأخيرة، وطرح احتمال استعانة قوى المعارضة بالأحزاب العربية لتأمين الأغلبية اللازمة في الكنيست وإنهاء حكمه. وصعّد نتنياهو خلال الأيام الماضية هجومه على الأحزاب العربية، كما أثار مزاعم عن وقوع مخالفات خلال يوم الاقتراع، قائلاً إن أحزاباً عربية ضُبطت بحوزتها مظاريف تحتوي على أموال نقدية، واصفاً التعاون معها في منشور آخر بأنه "كارثة على إسرائيل". وفي المقابل، شهدت شوارع إسرائيل، السبت، تظاهرات شارك فيها مئات الأشخاص للمطالبة بتشكيل تحالف بين المعارضة والأحزاب العربية، بهدف إقصاء نتنياهو عن رئاسة الحكومة. وتكتسب أصوات الأحزاب العربية ثقلاً حاسماً في المعادلة الجديدة، بعدما حصلت الأحزاب ذات الغالبية اليهودية المعارضة لنتنياهو على 48 مقعداً، فيما حصدت "القائمة العربية الموحدة" و"القائمة المشتركة" 19 مقعداً مجتمعين. وفي حال تمكنت المعارضة من جمع أصواتها مع الحزبين العربيين، سيرتفع رصيد المعسكر المناهض لنتنياهو إلى 67 مقعداً من أصل 120، أي أكثر من الأغلبية المطلوبة لتشكيل الحكومة. غير أن هذا السيناريو لا يزال يصطدم بانقسامات داخل المعارضة نفسها بشأن شكل العلاقة مع الأحزاب العربية وشروط مشاركتها أو دعمها للحكومة. وسبق للأحزاب العربية أن دخلت معادلة الحكم بصورة مباشرة عام 2021، عندما انضم منصور عباس و"القائمة العربية الموحدة" إلى الائتلاف الذي أنهى آنذاك فترة حكم نتنياهو، واستمر حتى عام 2022. وفي خضم النقاش الحالي، لم يحسم زعيم المعارضة غادي آيزنكوت موقفه النهائي من ائتلاف يستند إلى الأحزاب العربية، لكنه جدد تمسكه بتشكيل ما وصفه بـ"حكومة صهيونية"، واضعاً شروطاً على المشاركين فيها، من بينها الاعتراف بإسرائيل دولة يهودية وديمقراطية وليبرالية، وتصنيف حركة حماس "منظمة إرهابية"، وهي شروط سبق أن رفض قادة عرب القبول بها. ويتقاطع آيزنكوت، البالغ 66 عاماً ورئيس أركان الجيش الإسرائيلي الأسبق، مع نتنياهو في عدد من الملفات الأمنية، بما فيها الحرب في غزة التي شهدت عمليات عسكرية إسرائيلية واسعة منذ هجوم حماس في 7 تشرين الأول 2023. وتتجه الأنظار الآن إلى الرئيس الإسرائيلي إسحق هرتسوغ، المنتظر أن يكلف، بحلول الخميس، أحد زعماء الأحزاب بمحاولة تشكيل الحكومة، على أن يحصل المكلف على مهلة 28 يوماً لإنجاز المهمة، مع إمكانية تمديدها 14 يوماً إضافية. وبين حسابات المقاعد وشروط آيزنكوت وهجوم نتنياهو المتصاعد على الأحزاب العربية، تحولت وثيقة عمرها نحو ربع قرن إلى جزء من معركة سياسية راهنة، في وقت قد تكون فيه أصوات النواب العرب العامل الحاسم في تحديد هوية رئيس الحكومة الإسرائيلية المقبلة.