بالتوازي مع تصاعد التهديدات الأميركية والإسرائيلية ضد إيران، تتجه الأنظار إلى جبهة أخرى داخل البلاد، حيث تشهد مناطق ذات غالبية قومية غير فارسية موجة من الاعتقالات والمداهمات الأمنية، وسط مخاوف من أن تتحول تداعيات أي مواجهة خارجية محتملة إلى عامل ضغط إضافي على الداخل الإيراني. وتتركز الحملات، بحسب تقارير حقوقية، في المناطق الكردية والبلوشية والعربية الأهوازية، وطالت ناشطين مدنيين ودينيين ومواطنين، فيما تحدثت المصادر عن مداهمات ليلية واحتجاز أشخاص من دون إبراز أوامر قضائية، ونقل بعضهم إلى أماكن غير معلومة. وفي إقليم الأهواز، أفادت وكالة "هرانا"، التابعة لمنظمة حقوق الإنسان في إيران، إلى جانب منظمات حقوقية أهوازية، بأن قوات جهاز استخبارات الحرس الثوري داهمت فجر الخميس 29 تشرين الأول منازل عدد من المواطنين العرب الأهوازيين من أهل السنة في منطقة شاوور التابعة لقضاء الكرخة. وبحسب التقارير، أسفرت المداهمات عن توقيف 6 أشخاص، فيما ارتفع العدد إلى 8 مع احتساب شخصين كانا قد أوقفا في منطقة الملاشية. وأشارت المصادر إلى أن أعمار الموقوفين تتراوح بين 20 و25 عاماً. وأفادت المصادر الحقوقية بأن المنازل خضعت للتفتيش خلال العمليات، فيما نُقل الموقوفون إلى جهات مجهولة. وعلى الرغم من مراجعات عائلاتهم، لم تصدر حتى الآن معلومات رسمية توضح أسباب توقيفهم أو التهم الموجهة إليهم أو أماكن احتجازهم. وكانت منظمة "هنغاو" الحقوقية قد وثقت مداهمة أخرى نفذتها قوات وزارة الاستخبارات في 26 تشرين الأول، استهدفت منزلَي ناشطين دينيين من أهل السنة في حي الملاشية بمدينة الأهواز، حيث جرى توقيفهما ومصادرة بعض مقتنياتهما الشخصية. ولم تقتصر الحملة على الأهواز، إذ شهدت المناطق الكردية أيضاً توقيف عدد من الناشطين المدنيين والبيئيين والعماليين والشخصيات الثقافية. وفي أواخر تشرين الأول، أوقفت السلطات الناشط الكردي شريف باهور في مدينة مريوان، فيما اعتُقلت الناشطة المدنية فرشته إيزدي في سنندج على خلفية نشاطها على منصات التواصل الاجتماعي ودعمها لعائلات الضحايا، وفق التقارير الحقوقية. كما شملت التوقيفات الطالب القاصر دياكو عبدي والناشط العمالي وريا فرامرزي، في وقت يواجه فيه إدريس منبري، عضو مجلس إدارة جمعية "نوژين" الثقافية والاجتماعية في سنندج، حكماً بالسجن على خلفية نشاطه الثقافي. وامتدت الإجراءات الأمنية إلى المناطق البلوشية جنوب شرقي إيران، حيث تحدثت التقارير عن توقيف مواطنين وناشطين عقب عمليات أمنية ومداهمات. ومن بين الموقوفين 3 أشقاء هم علي ونظر محمد ونزار ناروئي، بعد مداهمة بلدة بمبور، إضافة إلى حافظ شعيب، أحد الناشطين المقربين من دار العلوم في زاهدان، وفرزاد دهقاني وإدريس توتازهي، الذي قالت التقارير إنه اقتيد إلى جهة مجهولة من دون الإعلان عن توجيه تهم رسمية إليه. وتأتي هذه التطورات في مرحلة تواجه فيها طهران ضغوطاً عسكرية وسياسية متزايدة، ما يرفع حساسية المناطق الحدودية في الحسابات الأمنية الإيرانية. فالمناطق الكردية ترتبط جغرافياً بإقليم كردستان العراق، فيما تقع بلوشستان بمحاذاة باكستان وأفغانستان، بينما يتمتع إقليم الأهواز بأهمية استراتيجية واقتصادية كبيرة نظراً إلى احتياطاته النفطية والغازية وموقعه الجغرافي. وتشير تحليلات سياسية وأمنية أوردتها المادة إلى مخاوف إيرانية من استغلال التوترات القومية والمذهبية والاحتقان الداخلي، بالتزامن مع الضغوط العسكرية الخارجية، بما قد يضع هذه المناطق في قلب أي محاولة للضغط على طهران. وفي المقابل، تحذر منظمات حقوقية من أن توسيع دائرة الملاحقات والاعتقالات قد يؤدي إلى زيادة الاحتقان بدلاً من احتوائه، خصوصاً في المناطق التي تعاني أساساً من قيود على الحريات ومشكلات اجتماعية وسياسية متراكمة. وبين هواجس الأمن القومي والانتقادات الحقوقية، تجد السلطات الإيرانية نفسها أمام معادلة شديدة الحساسية: محاولة تحصين الداخل في مواجهة احتمال تصعيد خارجي، من دون أن تتحول الإجراءات الأمنية نفسها إلى عامل إضافي لرفع مستوى التوتر في المناطق الحدودية والقومية، التي تبدو مرشحة للبقاء في صلب الحسابات الإيرانية خلال المرحلة المقبلة.