بعد 35 عاماً من الانتشار، تُطوى صفحة بعثة الأمم المتحدة للاستفتاء في الصحراء المغربية "مينورسو"، في تحول بارز يفتح مرحلة جديدة في واحد من أطول النزاعات الإقليمية في شمال أفريقيا. وبينما ترى الرباط في انتهاء المهمة خطوة باتجاه إغلاق الملف داخل مجلس الأمن، تؤكد الأمم المتحدة أن مغادرة البعثة لا تعني انتهاء المسار السياسي أو التخلي عن جهود التوصل إلى تسوية للنزاع. وفي هذا السياق، أشاد الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش، الأحد، بالدور الذي اضطلعت به بعثة "مينورسو" منذ إنشائها عام 1991، وذلك بالتزامن مع توقف عملياتها إثر عدم تجديد مجلس الأمن الدولي ولايتها. وقالت الأمم المتحدة، في بيان، إن البعثة أدت دوراً محورياً في المساعدة على مراقبة وقف إطلاق النار وتهيئة الظروف الملائمة للسعي إلى التوصل إلى حل سياسي. وأعرب غوتيريش عن امتنانه لجميع العاملين في "مينورسو"، ومن بينهم الممثل الخاص للأمين العام للصحراء المغربية ألكسندر إيفانكو، مشيداً بقيادته للبعثة خلال مرحلة اتسمت بتحديات بالغة الصعوبة. كما استذكر الأمين العام 20 من أفراد البعثة فقدوا حياتهم خلال سنوات انتشارها الـ35 في الصحراء المغربية. ومع حلول 1 تشرين الثاني، بدأت رسمياً مرحلة تصفية أعمال "مينورسو"، على أن يتولى فريق أممي أصغر حجماً، تحت إشراف إدارة الدعم العملياتي التابعة للأمم المتحدة، عملية النقل المنظم للمعدات والأصول التابعة للدول التي ساهمت بقوات في البعثة وإعادتها إلى بلدانها. وسيتولى الفريق أيضاً التعامل مع المعدات المملوكة للأمم المتحدة والتصرف بها وفق الإجراءات المعتمدة، فيما دعا غوتيريش جميع الأطراف إلى التعاون الكامل لضمان إنجاز عملية إنهاء المهمة بصورة منظمة وفي أسرع وقت ممكن. ورغم انتهاء العمليات الميدانية للبعثة، شدد الأمين العام على أن مغادرة "مينورسو" لا تعني إسقاط الحقوق المرتبطة بالنزاع، داعياً جميع الأطراف إلى احترام حقوق سكان الصحراء المغربية وتعزيزها. كما دعا الأطراف المعنية إلى ممارسة أقصى درجات ضبط النفس والامتناع عن أي خطوات من شأنها رفع مستوى التوتر أو تهديد الاستقرار الإقليمي، مجدداً التزام الأمم المتحدة بدعم الجهود الرامية إلى التوصل إلى حل سياسي عادل ودائم ومقبول من الطرفين. وأكدت الأمم المتحدة أن انتهاء عمليات حفظ السلام التي اضطلعت بها "مينورسو" لن ينهي دورها السياسي، إذ ستواصل دعم الحوار والمساعي الهادفة إلى تسوية سلمية للنزاع من خلال المبعوث الشخصي للأمين العام، ستافان دي ميستورا. وكانت بعثة "مينورسو" قد أُنشئت عام 1991، وشكل وجودها طوال العقود الماضية أحد أبرز أوجه انخراط الأمم المتحدة في ملف الصحراء المغربية، ولا سيما في مراقبة وقف إطلاق النار ودعم المساعي السياسية المرتبطة بالنزاع. وفي المقابل، تنظر الرباط إلى عدم تجديد ولاية البعثة من زاوية مختلفة. فقد أعلن الديوان الملكي المغربي، السبت، أن مجلس الأمن لم يمدد مهمة "مينورسو" خلال اجتماعه في 30 تشرين الأول، معتبراً أن هذا التطور يمثل خطوة ذات دلالة كبيرة باتجاه الطي النهائي لملف الصحراء المغربية داخل أروقة الأمم المتحدة. وبحسب الموقف المغربي، فإن عدم التمديد يعني انتهاء وجود طواقم البعثة ومركباتها ومعداتها ورموزها في الأقاليم الجنوبية خلال الأيام المقبلة، لتُطوى بذلك مرحلة امتدت 35 عاماً. وذهب الديوان الملكي أبعد من ذلك، معتبراً أن انتهاء المهمة ينبغي أن يضع حداً لإحالة الملف على مجلس الأمن وسحبه من جدول أعماله، وبالتالي إنهاء الاجتماعات الدورية المخصصة للصحراء المغربية وتقارير الأمين العام والإحاطات المرتبطة بها. لكن الموقف الأممي يرسم مساراً مختلفاً للمرحلة المقبلة، إذ يؤكد استمرار الانخراط السياسي للأمم المتحدة عبر دي ميستورا رغم انتهاء الوجود الميداني لـ"مينورسو". وبذلك، لا يمثل 1 تشرين الثاني مجرد موعد لبدء سحب المعدات وإنهاء مهمة بعثة أممية عمرها 35 عاماً، بل بداية مرحلة سياسية جديدة في ملف الصحراء المغربية، عنوانها الأبرز انتقال النزاع من حقبة "مينورسو" إلى اختبار قدرة المسار الدبلوماسي وحده على الوصول إلى تسوية مقبولة من الأطراف.