بعد منتصف الليل، ما زلت أنتظر كلود أن يُنهي مهمة برمجية. في النافذة المجاورة يعمل كوديكس على مشروع آخر. البيت نائم منذ ساعات، وأنا أراقب السطور تتقدّم ببطء وأقول لنفسي: "محاولة أخيرة ثم أطفئ الحاسوب". لكن كل محاولة تجرّ وراءها أخرى. ولعلّك تعرف هذه المساومة الصغيرة مع نفسك: بقي تعديل واحد، ومشكلة واحدة، ودقائق قليلة. ثم ترفع عينيك عن الشاشة لتكتشف أن الليل مضى. ومع تكرار هذه الليالي، بدأت أرى ملامح نمط جديد من العمل، نعيش تفاصيله قبل أن نفهم ما يفعله بحياتنا. يصعب إنكار ما تفعله هذه الأدوات. هناك مهام كانت تستغرق يوماً كاملاً، وصرت أنجزها في ساعة. رأيت ذلك في عملي، وأعرف قيمة هذا التحوّل. لكن الساعات التي وفّرتها لم تكن لي. سأل الاقتصاديان أنديرس هوملوم وإميلي فيستغارد نحو 25 ألف عامل في الدنمارك عن استخدامهم روبوتات المحادثة، ثم قارنا إجاباتهم بسجلات الضرائب. وحين سُئل مستخدمو هذه الأدوات في العمل عن كيفية الاستفادة من الوقت الذي توفّره، اختار نحو 80 في المئة منهم تخصيصه لمهام عمل أخرى، فيما اختار أقل من 10 في المئة من هؤلاء المستخدمين استراحات إضافية. وبتقدير العمال أنفسهم، لم ينعكس على أجورهم سوى ما بين 3 و7 في المئة من مكاسب الإنتاجية. الوقت يُوفَّر فعلاً، ثم يُعاد ضخه في العمل نفسه. تُنجز المهمة أسرع، فتتّسع قائمة ما يُنتظر منك إنجازه. بالنسبة إلى الموظف، يسهل أن يرى كيف يحدث ذلك: يكتشف صاحب العمل أن المهمة تحتاج إلى وقت أقل، فيضيف إليها مهمة أخرى. أما المستقل (الفريلانسر)، الذي يحدّد مواعيده بنفسه، فيظن لوهلة أن الأمر سيكون مختلفاً، وأن الوقت الذي يوفّره سيضاعف إنتاجيته. لكن سرعة إنجاز المشاريع لا تضمن وصول مشاريع جديدة، وقد تتحسّن إنتاجيته ويبقى دخله على حاله. يحتاج الوكيل البرمجي إلى دقائق لتنفيذ مهمة محدودة. وأحياناً يتوقّف ليطلب مني إذناً أو موافقة على المسار الذي سيتّبعه. وقت قصير يصعب أن أفعل فيه شيئاً آخر، وطويل بما يكفي لأضيق بالجلوس أمامه. أفتح مهمة ثانية، ثم أعود إلى الأولى وأحاول أن أتذكّر أين توقّفت. هكذا تمتلئ الشاشة بالمهام، ويتوزّع انتباهي بينها. كلما تقدّمت واحدة، استدعتني أخرى. راقبت الباحثتان أرونا رانغاناثان وماغي يي، من جامعة بيركلي، شركة تقنية أميركية طوال ثمانية أشهر، ونشرتا خلاصتهما في "هارفارد بزنس ريفيو" مطلع 2026. لم تفرض الشركة استخدام الذكاء الاصطناعي على موظفيها، ومع ذلك أخذوا يكتبون أوامرهم للأداة خلال استراحة الغداء والاجتماعات، ويرسلون "أمراً أخيراً سريعاً" قبل مغادرة المكتب، كي تواصل العمل في غيابهم. وأعرف هذا الانتظار جيداً. أجلس ساكناً أمام الشاشة، لكنني أستعدّ لما سيأتي: قراءة ما كتبته الأداة، وفحصه، والتأكّد من أنه يناسب المشروع ولا يُفسد شيئاً آخر. المراجعة عمل كامل، والدقائق التي تسبقها تُبقيني مستنفراً. أستطيع أن أقوم عن الكرسي. الأصعب أن أغادر المهمة. وأحياناً أتابع تقدّم المهام على هاتفي وأنا أنتظر خروج أولادي من باب المدرسة. ثم هناك عدّاد الاستخدام. تقول صفحة الرسمية لأنثروبيك إن لكلود حصة استخدام تتجدّد كل خمس ساعات، وأخرى أسبوعية، تشترك فيهما واجهة المحادثة وأداة البرمجة. أما حجم الحصة الأسبوعية فلا تعلنه الشركة بالأرقام. وحين تنفد، يصبح أمامك خياران: الاشتراك في باقة أغلى، أو شراء رصيد إضافي تُحاسَب عليه بحسب الاستهلاك. شيئاً فشيئاً، صار موعد تجدّد الحصة يدخل في ترتيب يومي. تنفد مساءً، وتعود في ساعة متأخرة، فأبقى مستيقظاً كي أستفيد مما دفعت ثمنه. تبدو الحجة معقولة في لحظتها: ما دمت أدفع، عليّ أن أستخدم الاشتراك. لكنني أجد نفسي أرتّب نومي حول موعد عودة الأداة. والثمن بالدولار، بين 20 و200 شهرياً، فيما يبقى دخلي محكوماً بواقع الأجور في لبنان. لذلك يصبح من السهل أن أرى في كل حصة لم أستخدمها مالاً ضائعاً، وأن أغفل عمّا أخسره وأنا أحاول استنفاد كل مزايا الاشتراك. أكثر ما يُبقيني أمام الشاشة هو النتيجة شبه الصحيحة. موقع يعمل كما أردت، إلا أن زرّاً واحداً لا يستجيب. وتصميم متقن، إلا أن عنصراً صغيراً خارج مكانه. يبدو أنني اقتربت بما يكفي، وأن التوقّف الآن سيُضيع حالة التركيز التي أنا فيها. فأجرّب مرة أخرى. ثمة ما يذكّر بماكينات القمار في هذا الترقّب: نتيجة واعدة، ثم خيبة صغيرة، ثم أمل بأن تنجح المحاولة التالية. يصعب أن تبتعد وأنت تشعر بأن الحل صار قريباً إلى هذا الحد. كتب آرمين روناخر، صاحب إطار البرمجة Flask، مطلع 2026 أن كثيراً من المبرمجين انغمسوا في البرمجة بالوكلاء حتى صاروا بالكاد ينامون. أستخدم كلمة الإدمان هنا بوصفها استعارة لهذا الشعور: أن ترغب في التوقّف، وأن تجد دائماً سبباً وجيهاً لمحاولة أخرى. ويرافق ذلك اطمئنان مضلّل أحياناً: ما دامت المهام تتوالى على