لم تكن مزاعم أحزاب الائتلاف اليميني المتطرف بزعامة بنيامين نتنياهو، بشأن ضلوع الأحزاب العربية في "رشوة انتخابية" مكّنتها من حصد 19 مقعداً في الكنيست، مجرد تشكيك في نتائج صناديق الاقتراع، بل عكست مناخاً متصاعداً من التحريض على فلسطينيي الداخل، وغضباً سياسياً إزاء الاختراق التاريخي الذي حققه الصوت العربي في الحضور بالكنيست. فبينما عكس هذا الرقم القياسي تحولاً في المشهد الانتخابي الإسرائيلي، تعامل معه ائتلاف اليمين المتطرف بوصفه تهديداً سياسياً، مطلقاً اتهامات بـ"التزوير" لقطع الطريق على أي دور مؤثر للأحزاب العربية قد يفضي إلى إسقاط حكم نتنياهو، في موقف يكشف رفضه تقبّل تأثير الصوت العربي في موازين القوى الداخلية، ولو عبر صناديق الاقتراع! لم يكن التحريض طارئاً، فقد توقّعت "المدن"، في تقرير عشية انتخابات الكنيست، أن يصعّد نتنياهو وحلفاؤه حملتهم ضد الأحزاب العربية إذا حصل معسكره على أقل من 55 مقعداً، وهو ما حدث. لكن الحملة بدأت قبل يوم الاقتراع، عبر مساعٍ لتقويض مشاركة الأحزاب العربية وفلسطينيي الداخل، ثم اتخذت بعد الانتخابات منحى أكثر حدة في التصعيد السياسي والإعلامي. وهذا ما أكده الخبير في "القانون" الإسرائيلي، المحامي محمد دحلة، لـ"المدن"، إذ أوضح أن التحريض على الأحزاب العربية بدأ قبل يوم الاقتراع، في سياق حملة متواصلة تستهدف فلسطينيي الداخل وممثليهم من أحزاب وقيادات، وتتجاوز حدود الانتخابات بحد ذاتها. وأوضح دحلة أن حملة التحريض مرّت بمراحل، بدأت بمحاولات شطب القوائم والمرشحين الممثلين لفلسطينيي 48، وسط تواطؤ لجنة الانتخابات في تمرير طلبات الشطب، قبل أن ترفض المحكمة العليا معظمها، باستثناء شطب ترشيح رئيس حزب التجمع الوطني الديمقراطي سامي أبو شحادة. ومع إخفاق اليمين المتطرف في توسيع نطاق الشطب، انتقل إلى محاولة نزع الشرعية عن الصوت العربي بعدما حقق إنجازاً انتخابياً غير مسبوق. تحضير استباقي لـ"التشكيك" بالصوت العربي وأوضح دحلة أن معركة التشكيك بنزاهة الصوت العربي واتهام فلسطينيي الداخل بـ"سرقة الانتخابات" جرى التحضير لها مسبقاً من جانب نتنياهو، وفق ما أكده صحفيون إسرائيليون أشاروا إلى أن "فيلم الاتهامات" أعدّه طاقم كامل في حزب الليكود. وأضاف أن نتنياهو لم يكتفِ بالقيود التي يفرضها النظام السياسي و"الدستوري" الإسرائيلي على مشاركة الأحزاب العربية الفاعلة، ولا بانقسام المعارضة بين رافض لتشكيل حكومة تستند إلى دعم عربي، وآخر يضع شروطاً يصعب على الأحزاب العربية قبولها، بل ذهب إلى إطلاق حملة تتهم العرب بـ"سرقة" الانتخابات. واعتبر دحلة أن تعمّد استخدام مصطلح "السرقة" يهدف إلى اللعب على وتر العنصرية والتشويه. رئيسا الشاباك ولجنة الانتخابات.. مستوطنان ولفت دحلة إلى أن رئيس الشاباك دافيد زيني سارع إلى تقديم مستندات وملفات تزعم وجود "مخالفات جنائية لشراء أصوات عربية"، معتبراً أن خلفيته اليمينية وتعيينه من جانب نتنياهو يعززان الاستنتاجات بشأن الخلفية السياسية للملفات المزعومة، واحتمال تغليب الدوافع الدعائية والأيديولوجية على مسار التحقيقات التي كُلّف بها الشاباك. وبحسب دحلة، فإن زيني ورئيس لجنة الانتخابات نوعام سولبرغ مستوطنان في الضفة الغربية. وأضاف أن رئيس الموساد رومان غوفمان، المقرب أيضاً من نتنياهو، شارك في التحقيق، علماً أنه سبق أن شغل منصب سكرتيره العسكري. ويرى دحلة أن ذلك يندرج ضمن استخدام نتنياهو الأجهزة الأمنية للطعن في شرعية الصوت العربي وتقويض إمكانية اعتماد المعارضة على الأحزاب العربية لإسقاط حكم نتنياهو. في حال لم ينجح الائتلاف اليميني المتطرف في تحقيق هدفه بتأجيل الإعلان الرسمي عن النتائج، أو الدفع نحو إعادة الاقتراع في جميع الصناديق أو بعضها، فقد يتجه حزب الليكود إلى المحكمة العليا، مطالباً بالتدخل والتدقيق في الملفات الموجودة بحوزة لجنة الانتخابات بشأن مزاعم "المخالفات" المرتبطة بالصوت العربي. وقد يتيح هذا المسار للائتلاف خلط الأوراق وكسب الوقت، بهدف تقويض أي هامش لتأثير الأحزاب العربية في تشكيل الحكومة المقبلة. وأوضح المحامي دحلة لـ"المدن" أنه لم يطّلع حتى الآن على ملفات الاتهام المزعومة بحق الأحزاب العربية، لكنه اعتبر أن ما جرى الترويج له بشأن ضبط بعض المغلفات المالية المزعومة يعكس "سخافة" ادعاءات الليكود، ويعزز الاستنتاج بأن أهدافها سياسية بحتة. وتساءل دحلة عن سبب عدم تدخل الشاباك والموساد في الوقت المناسب، إذا كانت هناك بالفعل أموال قادمة من "دول أجنبية"، كما يزعمون، خصوصاً أن الجهازين يمتلكان القدرة على رصد أي تحركات مالية من هذا النوع، وأن ذلك ليس "أمراً صعباً". إعادة الانتخابات.. كهدف لتحريض نتنياهو بيد أن الهدف الأساسي من التحريض على فلسطينيي الداخل وأحزابهم، وفق إفادات متخصصين بالشأن الإسرائيلي لـ"المد