كتب المفوّض السابق للحكومة لدى المحكمة العسكرية بيتر جرمانوس: لا يكفي أن تكون القاعدة القانونية واحدة في نصها، بل يجب أن تكون واحدة في تطبيقها. فالمادة السابعة من الدستور تجعل اللبنانيين سواء لدى القانون، والمادة الثامنة تصون الحرية الشخصية. والعدالة لا تقاس بوجود المحاكم، بل بخضوع الجميع للمعايير نفسها، أياً تكن انتماءاتهم. ثلاث قضايا تفصل بينها عقود تطرح السؤال ذاته: محاكمة سمير جعجع في التسعينيات، وملف الشيخأحمد الأسير بعد أحداث عبرا سنة 2013، وشحنة المتفجرات التي ضُبطت في ضهر البيدر في تشرين الأول 2026. الوقائع مختلفة، ولا مساواة بين المتّهمين فيها. لكن السؤال مشترك: متى يُسأل القائد عن أفعال مرؤوسيه؟ وهل نطرح هذا السؤال بالجدية نفسها أياً كان التنظيم ومدى نفوذه؟ أولاً: سمير جعجع ونظرية الآمر والناهي أمام المجلس العدلي، ولا سيما في قضية اغتيال داني شمعون، بحث القضاء في بنية القوات اللبنانية وتراتبيتها، واعتبر في قراره الصادر سنة 1995 أن للقائد الأمر والنهي، وأن عملية بهذا الحجم لا تحصل من دون قرار من القيادة. وفي قضية اغتيال الرئيس رشيد كرامي عاد إلى البحث في سلطة القيادة على الأجهزة الأمنية. أثارت تلك المحاكمات اعتراضات جدّية تتصل بضمانات المحاكمة العادلة، وانتهت بقانون عفو أقره مجلس النواب سنة 2005. لكن ما يهمنا هنا أن القضاء اللبناني لم يكتف يومها بالمنفذين المباشرين، بل بحث في العلاقة بين البنية التنظيمية والقرار الجرمي. ثانياً: الشيخ أحمد الأسير وأحداث عبرا برزت حركة الشيخ أحمد الأسير في صيدا كإحدى أوضح حركات الاعتراض العلني على تمدد نفوذ حزب الله وسلاحه خارج المؤسسات الشرعية. وانتهى هذا المسار في حزيران 2013 بصدام دامٍ مع الجيش اللبناني سقط فيه شهداء من العسكريين، وأصاب صيدا وأهلها بأضرار جسيمة. ولا تستقيم أي قراءة قانونية لهذا الملف من دون الانحناء أمام تضحيات هؤلاء العسكريين. غير أن احترام دماء الشهداء لا يلغي التمييز بين وقوع الجريمة وتحديد المسؤولية الشخصية عنها. وفي الوقائع القضائية، صدر بحق الشيخ الأسير حكم بالإعدام سنة 2017، ثم نقضته محكمة التمييز العسكرية وأعادت المحاكمة، فلم يعد هناك حكم نهائي في ملف عبرا. والرجل موقوف منذ آب 2015. هنا يطرح السؤال نفسه بهدوء: إذا كان التحقيق في عبرا قد امتد إلى رأس الحركة، فهل تُطبَّق على ملفه القواعد ذاتها التي نطالب بها في كل قضية، أي إثبات الصلة الشخصية بالفعل، واحترام قرينة البراءة، والفصل في الدعوى خلال مهلة معقولة؟ فالتوقيف الاحتياطي الطويل، أياً يكن المتهم، يبقى استثناءً يحتاج إلى مراجعة قضائية جدية، لا قاعدة تفرضها مرور السنوات. ثالثاً: متفجرات ضهر البيدر والسؤال الغائب في الخامس من تشرين الأول 2026 ضبطت الأجهزة الأمنية على حاجز ضهر البيدر شحنة كبيرة من المواد الشديدة الانفجار. وأعلن النائب حسن فضل الله أن الشحنة تعود إلى حزب الله وأن وجهتها مرتبطة بمواجهة إسرائيل. وتحدثت تقارير إعلامية عن سيارة مواكبة، وعن تعطيل كاميرات مراقبة في البقاع، وعن معطيات تقنية قيد التحقق. هذا الإقرار العلني بالملكية ينقل السؤال من الناقلين إلى من قرر. من أعطى التعليمات؟ من نظّم المواكبة إن ثبتت؟ من كان سيتسلم المواد؟ وعلى أي مستوى اتُّخذ القرار؟ هذه الأسئلة ليست اتهاماً مسبقاً لأحد، ولا افتراضاً لخطة اغتيال. لكنها الأسئلة نفسها التي طُرحت على قيادة القوات اللبنانية، وعلى حركة الشيخ الأسير. فإذا كان التحقيق في عبرا قد وصل إلى رأس الحركة، فلماذا يتوقف التحقيق في ضهر البيدر عند السائقين؟ رابعاً: ماذا يقول قانون العقوبات؟ المسؤولية الجزائية في لبنان شخصية. المادة 217 تعالج التحريض، والمادة 219 تعالج التدخل بالإرشاد أو المساعدة أو التسهيل. لا تنشئ هذه المواد مسؤولية تلقائية لرئيس التنظيم عن كل ما يفعله أعضاؤه، لكنها لا تمنع مساءلته متى ثبتت مساهمته الشخصية. فعبارة "الآمر والناهي" تصف السلطة، ولا تكفي وحدها دليلاً. والمعيار يجب أن يكون واحداً في الاتجاهين. لا يجوز التوسع في استنتاجات التراتبية حين يكون المتهم من جهة، ثم إغفالها حين يكون من جهة أخرى. ولا يجوز أن تحل التراتبية محل الإثبات، سواء تعلق الأمر بجعجع أو بالشيخ الأسير أو بأي مسؤول في حزب الله. المساواة أمام القانون لا تعني تساوي الأحكام، بل تساوي قواعد الملاحقة والتحقيق والإثبات والضمانات. خامساً: المجلس العدلي أم المحكمة العسكرية؟ طلب وزير العدل إحالة ملف ضهر البيدر إلى المجلس العدلي، وتأجل البت في الطلب داخل مجلس الوزراء. المرجعان مختلفان في الاختصاص والتشكيل وطرق المراجعة، لكن الأهم ألا تتحول مسألة الاختصاص إلى وسيلة لإعفاء أي جهة من التحقيق، وألا تتحول الإحالة في المقابل إلى إدانة سياسية مسبقة. فإذا كانت جرائم نُسبت إلى