افتُتح اليوم الأول من المنتدى السنوي للدراسات السورية المعاصرة، بجلسات تناولت أهمها أربعة مسارات متداخلة في المرحلة الانتقالية السورية بعد 2024: المسار الدستوري والإجرائي، وأزمة إنتاج البدائل السياسية، والثقة المدنية في ظل الضائقة الاقتصادية، وإعادة توجيه السياسة الخارجية. تلك الأوراق حاولت أن تجمع بين التشخيص القانوني والسياسي والاقتصادي، مع إشارات واضحة إلى أن الانتقال نحو الدولة لا يكتمل بالنصوص الدستورية أو الانفتاح الدبلوماسي وحيداً، بل هو بحاجة إلى مسار شرعي واضح، وتنظيم سياسي قادر على تحويل الخلاف إلى برامج، وأداء مؤسسي واقتصادي يبني الثقة، وقدرة داخلية على ترجمة الانفتاح الخارجي إلى تعافٍ مستدام. قدّم الدكتور إبراهيم دراجي، مدير المركز العربي لدراسات سوريا المعاصرة وأستاذ القانون الدولي، ورقة بعنوان «المسار الإجرائي للدستور السوري الدائم: المرجعية القانونية، ومعايير المشاركة، والبيئة الداعمة». تناولت الانتقال من الإعلان الدستوري الصادر في 13 آذار/2025 إلى دستور دائم، في ظل غياب تنظيم واضح لجهة إعداد الدستور وآليات تشكيلها وعملها ومشاركة الجمهور واعتماد المشروع. وقارنت البدائل القانونية: جمعية تأسيسية منتخبة، أو مجلس الشعب القائم، أو لجنة قانونية مختصة، أو لجنة معيّنة، أو نموذج مختلط. ورجّحت الورقة النموذج المختلط الذي يجمع تمثيلاً سياسياً من البرلمان والأحزاب، وتمثيلاً مجتمعياً من النقابات والمجالس المحلية، وخبرة فنية من الأكاديميين، مع مشاركة شعبية واسعة. واقترحت تعديل الإعلان الدستوري وفق المادة 50، باقتراح من رئيس الدولة وموافقة ثلثي أعضاء البرلمان، لتأسيس إطار ناظم يحدد الاختصاصات والمراحل. وشدّدت على مبادئ التشاركية والشفافية والتربية المدنية والشمول، مستشهدة بتجارب جنوب إفريقيا والعراق ومصر وليبيا. وخلصت إلى أن نجاح الدستور يتطلب بيئة داعمة تشمل قوانين الأحزاب والجمعيات والتظاهر وحق الوصول إلى المعلومات ونشر المسودات، وأن الاختلاف على مضمون الدستور طبيعي، أما الاختلاف على المسار فيشكك بشرعية الدستور نفسه. قدّم الدكتور محمد حسام الحافظ ورقة بعنوان «مساعي الانتقال نحو الدولة وإخفاق السياسة في سورية»، تناولت محدودية إنتاج البدائل السياسية في سورية خلال المرحلة الانتقالية بعد سقوط نظام الأسد، على الرغم من اتساع هامش الحرية وانفتاح المجال العام. واقترحت الورقة مفهوم «الممكن السياسي» للإشارة إلى المجال الذي تتحول فيه الأفكار إلى خيارات مشروعة، ثم إلى بدائل سياسية منظمة وقابلة للتنافس. وتجادل بأن هذا المجال يضيق حين تُقدَّم خيارات محددة بوصفها ضرورات لا بدائل لها، وحين تعجز الأحزاب والمجتمع المدني والنخب عن تحويل المصالح والخلافات إلى برامج سياسية. وتخلص إلى أن بناء الدولة لا يتطلب إلغاء الخلاف أو إنتاج الإجماع، بل تأسيس قواعد تتيح تنظيمه واستمراره، وأن عجز السياسة يتمثل أساساً في تعثر الانتقال من الرأي إلى التنظيم، ومن البديل إلى التأثير. وتشير إلى أن العجز لا يقتصر على الجانب العسكري، بل يمتد إلى استفادة السياسة من كون المجتمع السوري اعتاد التداول السياسي العام، كما تناقش توظيف «سياسة الضرورة» في سياق تتداخل فيه اعتبارات الأمن والاقتصاد والضغوط الخارجية والإقليمية، وتؤكد أن تفسير القيود وحجم المخاطر ينبغي ألا يخضع لقراءة أحادية، بل يجب أن يكون تداولياً يشمل المواطن السوري العادي. من جهتها قدّمت الدكتورة شلير الزنكنة، الباحثة التركية في الاقتصاد من جامعة إسطنبول، ورقة بعنوان «الثقة المدنية تحت وطأة الضائقة الاقتصادية: تزييف التفضيلات في سوريا ما بعد الثامن من ديسمبر 2024». وتناولت العلاقة بين الثقة المدنية والأداء الاقتصادي واستدامة المؤسسات الديمقراطية في بيئات ما بعد النزاع، مع التركيز على سوريا ما بعد الأسد. واستعانت الباحثة بنظرية «تزييف التفضيلات» لتيمور كوران لتحليل الفجوة بين المعتقدات الخاصة والتعبيرات العامة، وانعكاس ذلك على استقرار النظم السياسية. وأشارت بيانات «مؤشر الرأي العربي» إلى وجود ثقة نسبية في أجهزة أمن الدولة وارتياح إلى تفكيك السلطوية، مقابل استياء من الأداء الاقتصادي والخدمات العامة. وخلصت الدراسة إلى أن التحسن الأولي في المزاج العام بعد سقوط السلطوية لا يكفي لترسيخ الديمقراطية، إذ تتوقف استدامتها على بناء الثقة من خلال تحسين الأداء المؤسسي والاقتصادي، وتعزيز الشفافية، ومكافحة الفساد. كذلك تناولت ورقة الدكتور سمير العبدالله "تصفير المشاكل والاستقرار الخارجي: إعادة توجيه السياسة الخارجية السورية بعد 2024" كيفية توظيف سورية بعد سقوط نظام الأسد في كانون الأول/ديسمبر 2024 سياسة "تصفير المشاكل" كأداة لإدارة السياسة الخارجية، لا كوعد بتسوية النزاعات. واقترحت مفهوم "الاستقرار الخارجي" إطاراً يربط تخف