مع اقتراب الانتخابات النصفية الأميركية، يواجه الرئيس دونالد ترامب اختبارًا اقتصاديًا لا تقتصر نتائجه على مؤشرات النمو، بل تمتد إلى فواتير الوقود والغذاء والسكن. فارتفاع الأسعار يضغط على ميزانيات الأسر، فيما تتباين مصالح الناخبين بين مالك منزل يسعى إلى الحفاظ على قيمته، وآخر يعجز عن شراء مسكن بسبب كلفة الاقتراض. وتُظهر بيانات وزارة العمل ارتفاع أسعار المستهلكين بنسبة 3.7 بالمئة خلال السنة المنتهية في أيلول/سبتمبر، مع قفزة بنسبة 34.2 بالمئة في أسعار البنزين، وزيادة أسعار الغذاء بنسبة 2.5 بالمئة، وتكاليف السكن بنسبة 3.2 بالمئة. وتنعكس هذه الضغوط على المزاج الانتخابي. فبحسب مركز بيو للأبحاث، يشعر 74 بالمئة من الأميركيين بقلق شديد إزاء أسعار الطاقة، و73 بالمئة إزاء أسعار الغذاء، و66 بالمئة إزاء تكاليف السكن. لكن الغلاء لا يفضي إلى موقف انتخابي موحد. فارتفاع قيمة العقارات قد يفيد مالكيها ويضر الراغبين في شرائها، فيما يختلف أثر أسعار الوقود والغذاء باختلاف دخول الأسر. فهل تتحول هذه الضغوط إلى عقاب انتخابي للجمهوريين، أم تتوزع المسؤولية بين الحزبين؟ الفائدة المرتفعة تعمق أزمة السكن يوضح أستاذ التمويل والعقارات في جامعة كاليفورنيا الحكومية للفنون التطبيقية في بومونا، أنتوني أورلاندو، في حديث خاص لـ"النهار"، أن ارتفاع فوائد الرهن العقاري جعل امتلاك منزل أكثر صعوبة، رغم تباطؤ نمو أسعار العقارات. ويستشهد ببيانات الاحتياطي الفيدرالي في أتلانتا، التي تُظهر ارتفاع حصة الدخل الوسيط اللازمة لتحمل تكلفة شراء منزل من 34 بالمئة في آذار/مارس 2022 إلى 44 بالمئة في آب/أغسطس 2026. ويشرح أن أسعار المنازل انخفضت فعليًا بعد احتساب التضخم، لكن الأثر السلبي لارتفاع الفائدة تجاوز المكاسب الناتجة من هذا الانخفاض، ما جعل المشترين المحتملين في وضع أسوأ. ولا تقتصر المشكلة على تكلفة القرض الجديد. فبحسب أورلاندو، تعتمد الولايات المتحدة على نطاق واسع على القروض العقارية طويلة الأجل ذات الفائدة الثابتة، التي تتيح للمالكين الاحتفاظ بمعدلات اقتراض منخفضة حتى بعد ارتفاع الفائدة في السوق. ويقول إن هذه الميزة تتحول إلى عائق عندما يرغب المالك في الانتقال إلى منزل آخر، إذ يضطر إلى التخلي عن قرضه القديم والحصول على تمويل جديد أعلى تكلفة. ويضيف أن إحجام هؤلاء المالكين عن البيع يقلص المعروض من المنازل، ويزيد صعوبة دخول المشترين الجدد إلى السوق. وهذا ما يفسر، وفق أورلاندو، عدم انخفاض أسعار العقارات بصورة حادة بعد رفع الفائدة؛ فالفائدة المرتفعة لا تقلص الطلب على الشراء فحسب، بل تحد من المعروض أيضًا، إذ تدفع المالكين إلى الاحتفاظ بمنازلهم. منزل معروض للبيع في لوس أنجليس، 16 آب/أغسطس 2024 (أ ف ب) المالك والمستأجر.. حسابات انتخابية متعارضة تمتد تداعيات هذه المفارقة من الاقتصاد إلى السياسة. ويشير أورلاندو إلى أن مالكي المنازل يميلون، في المتوسط، إلى معاقبة المسؤولين عندما تنخفض أسعار عقاراتهم أو تركد، بينما يعاقبهم المستأجرون عندما ترتفع. ويقول: "الناخبون يكرهون التضخم عموماً، لكنهم يحبونه عندما يتعلق الأمر بالمنزل الذي يمتلكونه. إنهم لا يتعاملون مع جميع الأسعار بالطريقة نفسها". ويرى أن ركود سوق الإسكان لا يصب في مصلحة الجمهوريين، في بلد يشكل مالكو المنازل غالبية سكانه، خصوصًا أن الدوائر ذات الأغلبية المستأجرة تتركز غالبًا في المدن التي يمثلها ديمقراطيون. لكن أورلاندو لا يحصر التأثير في حركة الأسعار؛ إذ يرى أن السياسيين القادرين على إقناع الناخبين بامتلاك حلول واقعية لأزمة الإسكان قد يغيرون اتجاهات التصويت، خصوصًا على المستوى المحلي، حيث تستطيع السلطات التأثير في المعروض السكني والتشرد والضرائب العقارية. وينتقد تقصير كثير من المسؤولين في شرح هذه الخيارات والمفاضلات المرتبطة بها، بما يتيح للناخبين تقييم الوعود على أساس نتائجها المحتملة. الرئيس الأميركي دونالد ترامب خلال فعالية اقتصادية في ولاية أيوا، 27 كانون الثاني/يناير 2026. (أ ف ب) الغضب لا يعني التصويت للمعارضة وخارج سوق الإسكان، يكشف استطلاع لرويترز وإبسوس أن 47 بالمئة من الناخبين المسجلين يعدون تكاليف المعيشة العامل الأهم في تحديد أصواتهم، فيما يعارض 71 بالمئة من الأميركيين أداء ترامب في هذا الملف. والأكثر دلالة أن 35 بالمئة من الجمهوريين والمستقلين المائلين إليهم يرون أن سياسات ترامب أضرت بالاقتصاد، مقابل 18 بالمئة في كانون الثاني/يناير، وفق استطلاع بيو. غير أن الاستياء من الأسعار لا يضمن انتقال الأصوات إلى الديموقراطيين. فقد أظهر استطلاع لمركز AP-NORC، نُشر في تشرين الأول/أكتوبر، أن 27 بالمئة من الناخبين لا يثقون بأي من الحزبين في معالجة تكاليف المعيشة، رغم تقدم الديموقراطيين على الجمهوريين بنسبة 38