في رميش وعين إبل ودبل، لم يعد السؤال كيف يصمد الأهالي في أرضهم، بل مَن يضمن استمرار مقومات هذا الصمود بعد انتهاء مهام اليونيفيل وبدء انسحابها. فالقرى التي تمسّك أبناؤها بالبقاء فيها، رغم الحرب والعزلة وصعوبة التنقل، تستعد لمرحلة قد يتراجع فيها الحضور الدولي قبل أن تتمكن الدولة من ملء المساحة التي سيتركها خلفه. وبين الأمرين، يبرز خطر أن تتحول الإقامة في الأرض إلى مواجهة مفتوحة مع انقطاع الطرق والخدمات وغياب الحماية.تتوقف عمليات اليونيفيل بموجب تفويضها الحالي في نهاية كانون الأول 2026، لتبدأ بعدها مرحلة خفض عديدها وانسحابها خلال العام 2027. ولذلك، فإن بداية السنة المقبلة لا تعني خروج القوة الدولية دفعة واحدة، لكنها تؤسس لمرحلة تتقلص خلالها وظائفها تدريجياً. وهذا ما يشغل أبناء القرى الصامدة: ماذا سيبقى من المواكبة الدولية؟ وكيف ستُنظَّم القوافل؟ ومَن يتولى ضمان الوصول إلى المستشفيات وتأمين الغذاء والدواء، في مناطق يتعذر فيها الحضور الكامل للجيش وأجهزة الدولة؟ مطلب لدى الفاتيكانفي معلومات خاصة لـ«المدن»، أعاد أهالي رميش، خلال الزيارة الأخيرة للسفير البابوي إلى البلدة بعد عودته من الخارج، طرح مطلب تعيين موفد بابوي يتابع أوضاع هذه القرى، ويضع قضية بقائها تحت رعاية الفاتيكان وإهتمامه المباشر.وتفيد مصادر مطلعة على المطلب بأن جواباً لم يصل بعد، فيما يواصل السفير زياراته المكثفة إلى المنطقة وتمضية الوقت مع أبنائها، على الرغم من طول الطريق ومشقة التنقل، المرتبطة بالقوافل والمواعيد والشروط التي يفرضها الجانب الإسرائيلي للسماح بمرورها.ويستعيد أصحاب المطلب تجربة جزين في الثمانينيات، حين أرسل البابا يوحنا بولس الثاني موفداً خاصاً هو المونسنيور سيليستينو بوهيغاز إلى قضاء جزين في العام 1985، أقام فيها ووضع القضاء ذات الغالبية المسيحي تحت حماية الكرسي الرسولي، بالتوازي مع المهمات والزيارات التي اضطلع بها الكاردينال روجيه إتشيغاراي. والمقصود من استحضار تلك السابقة إيجاد حضور بابوي دائم يواكب الناس، ويحمل مخاوفهم إلى دوائر القرار، ويساعد على منع اقتلاعهم من أرضهم.يتطلع أهالي القرى والبلدات الصامدة في الجنوب المحتل إلى متابعة مستمرة تجعل بقاءهم قضية حاضرة في الاتصالات الدولية، وتمنح قراهم ثقلاً يحول دون التعامل معها باعتبارها تفصيلاً في ترتيبات أمنية أوسع. لكن الرعاية الفاتيكانية، مهما بلغ تأثيرها المعنوي والدبلوماسي، تحتاج إلى ضمانات ميدانية تتيح ترجمتها إلى قدرة على استمرار الحياة. فالحضور الكنسي يستطيع حشد الاهتمام والمساعدة والضغط، لكنه لا يملك بمفرده تأمين الطرق أو حماية القوافل. كاريتاس أم البلديات؟بالتوازي مع هذا المسعى، تكشف معلومات «المدن» عن بحث في بدائل لتنظيم حركة الدخول إلى المنطقة والخروج منها بعد إنسحاب اليونيفيل. ومن الأفكار المتداولة أن تتولى كاريتاس جمع أسماء الراغبين في التنقل والتواصل مع الجيش اللبناني، لتُحال اللوائح عبر الميكانيزم إلى الجانب الإسرائيلي. ويُطرح أيضاً أن تضطلع البلديات بتنظيم القوافل وتنسيق مواعيدها، بما يحافظ على الحد الأدنى من الحركة بين القرى ومحيطها.وبحسب مصادر مطلعة، تبقى هذه التصورات قيد البحث، من دون أن تشكل حتى الآن ترتيبات نهائية أو التزامات من الجهات المطروحة أسماؤها.غير أن المشكلة تتجاوز إعداد اللوائح وتبليغها. فلا كاريتاس ولا البلديات تملك قدرات أمنية وعسكرية لحماية الطريق، أو التدخل إذا تعرضت قافلة للخطر. كما أن الحصول على موافقة للمرور لا يشكل ضمانة كافية للسلامة. وهنا تظهر حدود البدائل المدنية: يمكنها تسهيل الحركة إدارياً، لكنها تحتاج إلى جهة رسمية تتولى المسؤولية الأمنية، وإلى ترتيبات واضحة للمواكبة والإخلاء والاستجابة للطوارئ.ويؤكد أبناء تلك القرى والبلدات لـ«المدن» أن التمسك بمرور أي ترتيبات عبر الجيش ينطلق من الحرص على إبقاء الدولة في صلب العلاقة معهم، حتى حيث يتعذر إنتشارها الكامل. فالأهالي يريدون قناة رسمية تصلهم بمؤسسات الدولة، وتحول دون ترك البلديات والجمعيات أمام مسؤوليات تتجاوز صلاحياتها وقدراتها. الخشية من عزل المنطقة الصفراءتزداد المخاوف مع ما ينقله أبناء المنطقة عن أعمال جرف وشق طرق وتغيير معالم تنفذها إسرائيل، ولا سيما في قرى الحافة الأمامية. وتوضح مصادر مطلعة لـ«المدن» أن القلق يتصل بما قد يترتب على اجتماع هذه الأعمال مع تقييد الحركة، وتراجع الحضور الدولي، وتعذر الوصول الرسمي.فالخشية أن يؤدي ذلك إلى تكريس فصل فعلي لما يُسمّى «المنطقة الصفراء» عن الجغرافيا اللبنانية. لا تتبدل الحدود بذلك، لكن قدرة الدولة على ممارسة سلطتها قد تتآكل، فيما يصبح دخول المواطن إلى بلدته وخروجه منها خاضعين بصورة دائمة لشروط الاحتلال.هذا هو البعد الأخطر في مرحلة ما بعد اليونيفيل: أن تتحول ترتيبات يفترض أ