تواجه العلاقات الروسية- الخليجية اختباراً متزايداً في ظل التوترات الإقليمية والصراع الأميركي- الإيراني. فقد حرصت دول الخليج على إقامة علاقات متوازنة مع موسكو، وتوسيع التبادل التجاري والاقتصادي معها، انطلاقاً من سياسة تنويع الشراكات وتجنب الصراعات. غير أن هذا الانفتاح يثير تساؤلات بشأن مدى مراعاة روسيا للمخاوف الأمنية الخليجية، في وقت تسعى فيه إلى تعزيز نفوذها ومواجهة واشنطن. لقد أثبتت السياسة الخليجية أن الانفتاح على القوى الدولية لا يعني الاصطفاف خلفها، بل يهدف إلى حماية المصالح الوطنية وتوسيع خيارات التعاون. ولذلك، فإن استمرار الشراكة مع موسكو يتطلب توازناً بين المصالح الاقتصادية والاعتبارات الأمنية. روسيا وحسابات المواجهة مع واشنطن تسعى موسكو إلى استثمار أوراق الصراع الإقليمي للحد من النفوذ الأميركي وتعزيز موقعها الدولي. لكن هذه الاستراتيجية قد تضع علاقاتها الخليجية أمام اختبار صعب، خصوصاً في ظل اتهامات بتقديم دعم استخباراتي أو لوجستي لإيران. وإذا ثبتت صحتها، فقد تعزز المخاوف من تغليب الحسابات الجيوسياسية الروسية على مصالح الشركاء الخليجيين. وقد تحقق موسكو مكاسب تكتيكية من إرباك التحركات الأميركية، لكنها تخاطر في المقابل بتراجع الثقة بها. فالدول التي تربطها بروسيا مصالح استراتيجية لا ترغب في أن تتحول شراكتها معها إلى عبء أمني أو أداة في صراع لا يخدم أولوياتها الوطنية. يمثل مضيق هرمز وباب المندب شريانين حيويين للتجارة العالمية وإمدادات الطاقة، وأي تهديد للملاحة فيهما ينعكس على استقرار المنطقة والاقتصاد الدولي. لذلك، تكتسب المواقف الروسية من الهجمات والتهديدات البحرية أهمية خاصة في تحديد مستقبل علاقاتها بدول الخليج. أما الاتهامات المتعلقة بدعم أطراف تهدد الأمن الخليجي، بما فيها الحوثيون، فتحتاج إلى أدلة موثوقة قبل اعتمادها حقائق ثابتة. ومع ذلك، يبقى احترام أمن الممرات البحرية معياراً أساسياً لقياس مدى التزام موسكو مصالح شركائها، وخصوصاً أن استقرارها يخدم الأسواق العالمية ومصدري الطاقة. أوكرانيا وتعزيز التعاون الدفاعي يمكن تفسير توجه بعض الدول الخليجية والعربية نحو أوكرانيا في إطار تنويع مصادر التكنولوجيا الدفاعية والاستفادة من الخبرات المتعلقة بالطائرات المسيّرة ووسائل التصدي لها. ويعكس هذا التعاون رغبة في توسيع الخيارات العسكرية والتقنية، بعيداً من الاعتماد على شريك واحد. وقد يحمل هذا التوجه دلالة سياسية مفادها أن العواصم الخليجية ستحدد خياراتها وفق احتياجاتها الأمنية، لا وفق حسابات موسكو وحدها. كما أن تعزيز التعاون مع كييف لا يعني بالضرورة التخلي عن العلاقات الروسية، بل يؤكد حرص دول المنطقة على امتلاك بدائل متعددة تحمي مصالحها. المصالح الروسية - الخليجية في قطاع النفط يشكل التعاون من ضمن مجموعة "أوبك بلاس" ركيزة مهمة للعلاقات بين روسيا ودول الخليج، خصوصاً في تنسيق مستويات الإنتاج والسعي إلى استقرار أسواق الطاقة. وتزداد أهمية هذا التعاون بالنسبة إلى موسكو في ظل العقوبات الغربية والضغوط الاقتصادية. لكن التفاهم النفطي لا يعني تطابق المواقف السياسية والأمنية. فتراجع الثقة قد ينعكس على أجواء الشراكة، حتى إذا استمر التنسيق الاقتصادي. ولهذا، تحتاج روسيا إلى إدراك أن الحفاظ على مصالحها في أسواق الطاقة يرتبط أيضاً بمتانة علاقاتها مع المنتجين الخليجيين. مستقبل الثقة بين موسكو والخليج لا تكمن المشكلة في سعي روسيا إلى مواجهة النفوذ الأميركي، بل في قدرتها على الموازنة بين طموحاتها الدولية ومصالح شركائها. فإذا استمر الاعتقاد أن موسكو تقدم حساباتها الاستراتيجية على المخاوف الأمنية الخليجية، فقد تتجه دول المنطقة إلى توسيع تعاونها الدفاعي والتقني مع أوكرانيا والدول الغربية، وإعادة النظر في بعض جوانب علاقاتها مع روسيا. وقد لا تظهر الخسارة الروسية في تراجع اقتصادي فوري، بل في انحسار تدريجي للثقة والنفوذ السياسي. فالشراكات المستدامة لا تقوم على النفط والتجارة وحدهما، وإنما على احترام المصالح المتبادلة ومراعاة أمن الأطراف المشاركة. فالسؤال الآني الذي يطرح نفسه: هل تدرك موسكو أن الحفاظ على موقعها في الخليج يتطلب شراكة تتجاوز المصالح الاقتصادية إلى التزام واضح بمراعاة المخاوف الأمنية الخليجية؟ -المقاربة الواردة لا تعكس بالضرورة رأي مجموعة "النهار" الإعلامية