صنع الرئيس البرازيلي لويس إيناسيو "لولا" دا سيلفا (81 سنة) التاريخ، بفوزه بولاية رئاسية رابعة الأحد الماضي ضد مرشح المعارضة اليمينية فلافيو بولسونارو. وبذلك، تمكن من إيقاف تمدّد موجة عودة أنظمة اليمين إلى أميركا اللاتينية، بدعم علني من الرئيس الأميركي دونالد ترامب. وتحسب لـ"لولا" أنه أول رئيس منذ عودة البرازيل إلى الديموقراطية عام 1985، يستطيع الفوز في جولة الإعادة، بعدما هزم في الجولة الأولى قبل ثلاثة أسابيع، إذ تقدم عليه بولسونارو بنقطتين مئويتين. وهذا يعني أن مرشح حزب العمال اليساري نجح خلال هذه المدة في جمع عشرة ملايين صوت إضافية، بينما منافسه بولسونارو، لم يجمع سوى 3.6 ملايين صوت جديدة. أما كيف تمكن من قلب النتيجة، فذلك عائد بشكل أساسي الى استعادة هيمنته في المدن الصغرى، وتحقيق مكاسب في الضواحي التي تقطنها الطبقة العاملة حول بعض كبريات مدن البلاد. ويبدو أنه استفاد من زيادة واسعة وغير متوقعة في نسبة الإقبال على التصويت. هذا الهامش الواسع في الأصوات كان حاسماً في تقدم "لولا" بنسبة 3.6 في المئة على عضو مجلس الشيوخ بولسونارو، نجل الرئيس السابق جايير بولسونارو، الذي هزمه دا سيلفا في انتخابات 2022. وبعد يومين من الانتخابات، فر الإبن إلى الولايات المتحدة مع عائلته، ليعلن من هناك أنه الرئيس الشرعي للبرازيل. وسانده ترامب بالإدعاء أن الانتخابات كانت "مزورة". ومن العوامل التي ساعدت "لولا"، كان إعلان حكومته في الأسابيع الأخيرة عن سلسلة من التدابير الاقتصادية، شملت تقديم مزيد من المخصصات النقدية للأسر الفقيرة، وحظر المراهنات عبر الإنترنت، وبرنامجاً لمساعدة الأسر على التخلص من ديونها، بالإضافة إلى منح إعفاءات ضريبية للمنشآت الصغيرة. ويشكّل فوز "لولا" صفعةً قويةً لتقدم اليمين في آخر سبع انتخابات رئاسية في أميركا اللاتينية، وقد بثّ روحاً جديدة في تيار يساري كان يبدو على وشك الاندثار في أميركا اللاتينية. وبالنسبة الى كثيرين في البرازيل، كان الأداء القوي لـ"لولا"، مؤشراً على أن الناخبين لم يكونوا مستعدين تماماً للتخلي عن رؤية الزعيم اليساري للبرازيل. وقدّم الرئيس البرازيلي (الذي فاز بولايتين عامي 2002 و2006)، نموذجاً نادراً في تحدي استراتيجية واشنطن الرامية إلى بسط نفوذها العسكري والاقتصادي في المنطقة، متصدياً لمحاولات ترامب الضغط على البرازيل من خلال فرض الرسوم الجمركية والعقوبات. في المقابل، كان بولسونارو، قد تعهد الانضمام إلى تحالف أمني إقليمي تقوده الولايات المتحدة، وعرض توفير احتياطيات البرازيل الهائلة من المعادن الحيوية، وسيلة لتقليل اعتماد أميركا على الصين. وخلال حملته الانتخابية، أبرز "لولا" إنجازاته الاقتصادية مدى السنوات الأربع الماضية، محذراً في الوقت ذاته من أن عودة عائلة بولسونارو إلى السلطة تشكل خطراً على الديموقراطية في البرازيل. ويقضي جايير بولسونارو، عقوبة بالسجن لمدة 27 عاماً، وذلك لمحاولته تنفيذ انقلاب عقب خسارته الانتخابات السابقة أمام "لولا". وسيكون التحدي الأكثر إلحاحاً الآن، هو تحويل المكاسب الاقتصادية إلى تخفيفٍ ملموسٍ يشعر به البرازيليون في حياتهم اليومية. فقد كانت التصورات حول الوضع الاقتصادي من الأسباب الرئيسية لتآكل قاعدة دعم "لولا" خلال الحملة الانتخابية. فانخفاض معدل التضخم لا يعني عودة الأسعار إلى مستوياتها السابقة، كما أن التحسن في معدلات التوظيف لا يعوض بالضرورة أعباء الديون ونفقات الأسرة. وعليه، سيبقى الاستياء من تكاليف المعيشة قائماً حتى بعد انتهاء الانتخابات. كما يختلف المشهد السياسي في أميركا اللاتينية عما كان عليه حين بدأ "لولا" ولايته الثالثة عام 2023، وهي الحقبة التي كان فيها حلفاء له -مثل ألبرتو فرنانديز في الأرجنتين، وغابرييل بوريك في تشيلي، وغوستافو بيترو في كولومبيا- يتولون السلطة. وفي الداخل أيضاً لن تخلو عودة "لولا" من المصاعب، لأن قبضة اليمين بقيت قوية على مجلسي الكونغرس وعلى صعيد حكام الولايات.