تختزل رسالة نائب الرئيس الأميركي جي. دي. فانس إلى الأمين العام للمجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني محسن رضائي المأزق الذي يقترب منه الرئيس دونالد ترامب في علاقته بالجمهورية الإسلامية الإيرانية: استعداد أميركي للتعامل مع الحكام في طهران، شرط أن يعطوه شيئاً في الملف النووي، يقابله إصرار إيراني على انتزاع ضمانات قبل تقديم التنازلات. المسألة تتجاوز تبادل الرسائل إلى تحديد من يملك الوقت، ومن يستطيع تحويل حاجة الآخر إلى التهدئة، أو التصعيد، إلى مكسب استراتيجي. وبين الاسترضاء والإرغام، يضيق هامش الرئيس الأميركي كلما تصرفت طهران على أساس أن حاجته إلى اتفاق أكبر من حاجتها إليه. فيما تتسارع محاولات دول المنطقة توفير مخرج ديبلوماسي لردع استئناف العمليات العسكرية الاميركية والاسرائيلية الكبرى خشية انتقام ايران منها بوعد تدميرها. المعزة الإيرانية الخاصة لفانس، باعتباره من المتحفظين عن التورط العسكري، قد تفتح له باباً لا يُفتح لغيره، لكنها لا تكفي لتغيير حسابات الحكم في طهران. فالثقة، من المنظور الإيراني، تستلزم أكثر من رسالة ترغيب من نائب الرئيس الأميركي. إنها تستلزم ضمانات تتعلق بمصير النظام وبما سيأتي بعد التنازل النووي الأول. لذلك، فإن السؤال الجوهري هو مدى استعداد أصحاب القرار لتعديل العقيدة النووية، بعدما جعلوا منها ركيزة لبقاء النظام ومكانته الإقليمية، لا مجرد ورقة قابلة للمقايضة. هنا تكمن أهمية أي تفاهم محتمل على إخراج اليورانيوم المخصب من إيران. مثل هذه الخطوة يمكن أن تمنح ترامب إنجازاً قابلاً للتقديم إلى الأميركيين، وأن تفتح مساراً تتجاوز فيه الديبلوماسية مجرد تأجيل الحرب. لكن إمكان البحث فيها لا يعني أن الموافقة الإيرانية أصبحت متاحة. فإذا اشترطت طهران الحصول مسبقاً على الضمانات التي تريدها قبل تناول الملف النووي، فتكون قد طالبت واشنطن بدفع ثمن التفاهم قبل التأكد من إمكان التوصل إليه. عندئذ يعود التفاوض إلى الدوران حول شروط الدخول إليه. رسالة فانس تحتمل، من هذه الزاوية، قراءتين. إنها محاولة ترغيب جدية تمنح الحكام في طهران فرصة للتعامل مع إدارة مستعدة للتفاهم معهم. وقد تتحول، إذا اصطدمت بالشروط الإيرانية، إلى المحطة التي تستند إليها الإدارة لإعلان استنفاد البدائل الديبلوماسية. ليس بالضرورة أن الرسالة صيغت لإفشال التفاوض، إنما مصيرها قد يجعلها الفرصة الأخيرة قبل استئناف العمليات العسكرية الكبرى. والفارق بين الاحتمالين يتوقف على ما تستطيع طهران تقديمه، وعلى الحد الأدنى الذي يقبل ترامب اعتباره إنجازاً. تكتسب مساعي السعودية وباكستان وتركيا، في إطار اتفاقية مكة للدفاع المشترك، أهميتها الاستراتيجية من قدرتها المحتملة على توفير مظلة إسلامية لمرونة إيرانية. فالوفد الذي توجه إلى طهران يحمل فرصة لإقناع النظام بأن التراجع عن بعض شروطه يمكن أن يندرج في تفاهمات إقليمية تمنحه مكاناً، بدلاً من أن يبدو استجابة منفردة للإكراه الأميركي. هذه الدول تستطيع تسهيل الانتقال إلى الديبلوماسية، لكنها لا تستطيع اتخاذ القرار النووي نيابة عن إيران، ولا ضمان ما يرفض الحكام في طهران الالتزام به. المعضلة الأعمق أن إشراك إيران في ترتيبات المنطقة يستلزم قبولها مفهوم الشراكة نفسه. فحين تعرض الدول الإقليمية مظلة للتفاهم، تعرض مكاناً إلى جانبها، فيما يتصرف الحكم الإيراني بمنطق الأحقية في صوغ مسار المنطقة وقيادتها. لا يمكن بناء ترتيب مستقر إذا كانت طهران تعتبر مساواتها بجيرانها انتقاصاً من موقعها. وعند هذه النقطة يصبح التشدد النووي جزءاً من معركة أكبر على طبيعة النظام الإقليمي المقبل: هل يقوم على التزامات متبادلة، أم يمنح إيران الاعتراف بنفوذ تحتفظ بأدوات فرضه؟ كلام السفير الأميركي لدى تركيا والمبعوث الرئاسي الخاص إلى سوريا والعراق توم براك قبل أيام يضيء على المقاربة الأميركية لهذه المعضلة. العبارة الأساسية فيه هي الاقتراب من "اتفاق على مسار". فهو يتحدث عن مهلة لخفض التوتر، وعن إتاحة المجال للمنطقة كي تحدد وتيرتها، وعن تفاهمات واصطفافات جديدة. ويقول بوضوح إن الحل الشامل لن يأتي فوراً. معنى ذلك أن الطموح المباشر هو إدارة الملف ووقف الأعمال العسكرية العدائية، فيما تُترك معالجة جذور النزاع لمراحل لاحقة. وهذه مسافة سياسية كبيرة تفصل بين التهدئة وبين تسوية أسباب الحرب. الأكثر دلالة في كلام براك هو أن الولايات المتحدة لا تستطيع حل كل شيء، وأن على المنطقة تحمل مسؤولية شؤونها. من حيث المبدأ، للدول الإقليمية مصلحة وحق في صوغ مستقبلها. إنما تحميلها مسؤولية المرحلة المقبلة يطرح مسألة مسؤولية واشنطن عن المرحلة التي قادت إليها. فإعادة تشكيل التفاهمات الإقليمية قد تتيح مخرجاً للإدارة الأميركية، لكنها قد تنقل أيضاً إلى دول المنطقة أعباء حرب لم تكن هي صاحبة قرارها، وتلزمها إيج