تُعدّ حرية الإعلام وحرية التعبير من الركائز الأساسية لأي نظام ديمقراطي، إذ لا يمكن تصور دولة القانون والمؤسسات من دون حرية تداول الأفكار والآراء والمعلومات، ولا يمكن للصحافة أن تؤدي وظيفتها في نقل الأخبار ومراقبة أداء السلطات العامة ونقدها إذا أصبحت ممارسة هذا الدور معرّضة للقيود غير الضرورية أو للملاحقة الجزائية. ولا تقتصر حماية هذه الحرية على منع الرقابة المباشرة، بل تقتضي أيضًا ألا تتحول القواعد المنظمة للعمل الإعلامي إلى وسيلة غير مباشرة للترهيب أو التضييق أو دفع الصحافي إلى ممارسة الرقابة الذاتية. فالعبرة ليست فقط بما يعلنه القانون من ضمانات، وإنما أيضًا بما يفرضه من قيود، وبطبيعة المسؤولية التي يرتبها، وبالعقوبات التي يقررها، وبالجهة القضائية التي تملك ملاحقة الإعلامي. ومن هنا، فإن تقييم قانون الإعلام اللبناني الجديد لا يمكن أن يقوم على مجرد تسجيل ما أدخله من تحديثات، كإدخال الإعلام الإلكتروني ضمن الإطار التشريعي، أو إلغاء محكمة المطبوعات والقضاء العسكري، أو إنشاء قضاء مدني متخصص، بل يجب أن يطرح السؤال الأهم: هل نجح القانون فعلا في الانتقال من منطق العقاب الجزائي للعمل الإعلامي إلى منطق حماية الحرية وتنظيم المسؤولية عنها؟ هذه المسألة تكتسب أهمية خاصة لأن الاتجاه الذي رافق إعداد القانون تمثل في السعي إلى تحديث التشريع الإعلامي، وتعزيز حرية الإعلام، والحد من العقوبات السالبة للحرية، وإنهاء خضوع القضايا الإعلامية للقضاء العسكري، وإيجاد إطار قضائي يتلاءم مع خصوصية العمل الإعلامي. غير أن إلغاء محكمة المطبوعات أو القضاء العسكري لا يعني، في حد ذاته، إلغاء الطبيعة الجزائية للمخالفات الإعلامية. فالمعيار الحقيقي هو معرفة ما إذا كان القانون قد أخرج فعلاً الأخطاء والمخالفات الناشئة عن النشر من دائرة التجريم، أم أنه نقلها فقط إلى قضاء آخر مع الإبقاء على العقوبات الجزائية، ولا سيما الحبس. وتزداد أهمية هذا السؤال عندما يستخدم المشرّع عبارات واسعة ومطّاطة أو قابلة لتفسيرات متعددة، كالأخبار الكاذبة أو الأضاليل أو المعلومات المضللة أو التحريض أو الكراهية، خصوصاً إذا اقترنت هذه المفاهيم بعقوبات جزائية. فكل غموض في تحديد السلوك المجرّم قد يؤدي إلى توسيع السلطة التقديرية، وإلى أثر رادع يتجاوز الشخص الذي تطاله الملاحقة إلى الصحافة والإعلام عموماً. وعليه، تقوم هذه الدراسة على معيار أساسي مفاده أن حرية الرأي والتعبير وحرية الصحافة هما الأصل، وأن القيود الواردة عليهما تمثل استثناءً لا يكون مشروعاً إلا في حدود الضرورة. ومن ثم، ينبغي إخضاع كل قيد لاختبار المشروعية والوضوح، وأن يستند إلى هدف مشروع، وأن يكون ضرورياً ومتناسباً مع الغاية المتوخاة، وذلك في ضوء المادة 13 من الدستور اللبناني والمادة 19 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، فضلاً عن مبدأ الشرعية الجنائية، الذي يقتضي أن تكون النصوص، ولا سيما النصوص التي ترتب مسؤولية جزائية، واضحة ودقيقة وقابلة للتوقع، بحيث يستطيع المخاطب بها أن يدرك، في حدود معقولة، الأفعال المحظورة والعواقب القانونية المترتبة عليها. والأسئلة المركزية التي تطرح هي: إلى أي مدى نجح قانون الإعلام الجديد في حماية حرية الإعلام والتعبير؟ وهل تخلّى فعلاً عن النهج التقليدي القائم على التجريم والعقوبات السالبة للحرية، أم أنه أبقى، إلى جانب إصلاحاته المهمة، على بعض عناصر النظام الجزائي التقليدي وعلى قيود قد تتحول، في التطبيق، إلى أدوات للحد من الحرية؟ وللإجابة عن هذه الأسئلة، تقتضي دراسة قانون الإعلام الجديد ومقاربة أحكامه من خلال ستة محاور مترابطة، تكشف مجتمعةً مدى التوازن الذي أقامه المشرّع بين مقتضيات حماية حرية الإعلام والتعبير وبين القيود والمسؤوليات التي يمكن أن ترد عليها. وتنطلق الدراسة من فلسفة القانون ومدى انسجامها مع الضمانات الدستورية والدولية لحرية التعبير، ثم تبحث في طبيعة القيود التي يفرضها، ونظام المسؤولية والعقوبات الذي يعتمده، ودور القضاء والجهات التنظيمية، وصولاً إلى تقييم أحكامه في ضوء مبادئ الشرعية والوضوح والضرورة والتناسب. وعلى هذا الأساس، تتوزع الدراسة على ستة محاور رئيسية، أولها: فلسفة القانون ومدى انسجامها مع حرية الإعلام والتعبير. أولاً: فلسفة القانون — بين حماية الحرية وتنظيمها ينبغي أن يبدأ تقييم القانون من فلسفته، لا من عدد المواد التي تتضمن ضمانات أو من حداثة المصطلحات التي يستخدمها. فالقانون الإعلامي الحديث يفترض أن تكون وظيفته الأساسية حماية حرية الإعلام وتنظيم ممارستها، لا تنظيم مضمون الخطاب الإعلامي أو تحديد ما يجوز للصحافي قوله تحت طائلة العقاب. والمبدأ الذي يجب أن يحكم قراءة القانون هو أن المادة 13 من الدستور اللبناني تحمي حرية إبداء الرأي قولاً وكتابة وحرية الطباعة، بينم